تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
عَنْكُمْ
حين تبتم والعفو محو الجريمة من عفا إذا درس
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
أي الاتخاذ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أي لكي تشكروا عفوه
وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ
يعني التوراة الجامع بين كونه كتابا منزلا وحجة يفرق بين الحق والباطل وقيل : أراد بالفرقان معجزاته الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى أو بين الكفر والإيمان وقيل : الشرع الفارق بين الحلال والحرام أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله تعالى :
يَوْمَ الْفُرْقانِ
[ سورة الأنفال ، الآية : 41 ] يريد به يوم بدر
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
لكي تهتدوا بتدبر الكتاب والتفكر في الآيات
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ
فاعزموا على التوبة والرجوع إلى من خلقكم بريئا من التفاوت ومميزا بعضكم عن بعض
شرح
عليه إنّ اتخاذ العجل إلها من بعد موسى عليه الصلاة والسلام يقتضي أن يكون موسى عليه الصلاة والسلام متخذا إلها قبل ذلك كما لا يخفى على العارف بسياق الكلام فلذا اقتصر في الكشاف على التوجيه الثاني انتهى . ولا يخفى أن بعد ومن بعد إذا تعلق يفعل ونحوه فقد يراد البعدية في التلبس به ولا يقدر فيه مضاف لأنه مفهوم من فحوى الكلام كما إذا قلت : جاء زيد بعد عمرو والمقصود تعاقبهما في المجيء ، وكقوله تعالى :ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًاوقد لا يراد ذلك ولا يصح نحو سافرت إلى المدينة بعد مكة وقد لا يقصد وإن صح لكون المقام لا يقتضيه لصرف القرينة عنه فهو اتخذوا المحاريب بعد النبيّ عليه الصلاة والسلام فالمراد بعد وقوع ما أضيف إليه فانظر إلى ما يليق بكل مقام ، ولا تلتفت إلى خرافات الأوهام وقيل : معناه إنّ الضمير إما أن يرجع إلى موسى عليه الصلاة والسلام وحينئذ يقدر مضاف أو إلى مضيّ موسى عليه الصلاة والسلام المفهوم من فحوى الكلام وإلها مفعول اتخذ المحذوف لقيام القرينة إذ لا يذم على مجردة وقوله بإشراككم تفسير للظلم إذ قد يراد به الشرك والعفو المحو وأصل معناه اندراس آثار الديار بالبلى . قوله : ( لكي تشركوا الخ ) عدل من قول الزمخشري إرادة أن تشكروا لأنه مبنيّ على الاعتزال وجواز تخلف إرادة اللّه إذ الشكر لم يقع منهم فإن وقع التفسير بنحوه من أهل السنة فالمراد بالإرادة مطلق الطلب ولا نزاع في أنّ اللّه تعالى قد يطلب من العباد ما لا يقع . قوله : ( يعني التوراة الجامع الخ ) إذا كان الكتاب والفرقان واحدا وهو التوراة فالعطف لأن تغاير الصفات كتغاير الذات يصح فيه العطف كما مر في قوله :إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحموإن فسر بما يغايره كالمعجزات فهو ظاهر وإن فسر بالنصر الفارق بين المتقابلين وهو هنا بانفراق البحر فلا كلام أيضا . قوله : ( باتخاذكم العجل الخ ) فإن قلت اتخذ مما أبدل فيه الهمزة تاء كما في ائتمن وهي لغة رديئة كما سيأتي ، قلت قال ابن النحاس : إن اتخذ مما أبدل فيه الواو تاء لأنّ فيه لغة يقال : وخذ بالواو فجاء على هذه اللغة ، وقال الفارسيّ رحمه اللّه : إنّ التاء الأولى أصلية لأن العرب قالوا اتخذ بكسر الخاء بمعنى أخذ قال تعالى :لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً