وإخلاص النية بالقلب ومجاهدة الشيطان ومناجاة الحق وقراءة القرآن والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن الأطيبين حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة ويجوز أن يراد بها الدعاء
وَإِنَّها
أي الاستعانة بهما أو الصلاة وتخصيصها بردّ الضمير إليها لعظم شأنها واستجماعها ضروبا من الصبر أو جملة ما أمروا بها ونهوا عنها
لَكَبِيرَةٌ
لثقيلة شاقة كقوله تعالى :
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
[ سورة الشورى ، الآية : 13 ]
إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ
أي الخبتين والخشوع الاخبات ومنه الخشعة للرملة المتطأمنة والخضوع اللين والانقياد ولذلك يقال الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ
شرح
الاستعانة بالصلاة فلما فيها مما يقرّب إلى اللّه قربا يقتضي الفوز بما يطلب ، والأطيبين الأكل والجماع ، وحتى تجابوا متعلق باستعينوا وقوله من الطهارة الخ إشارة إلى ما قال الراغب رحمه اللّه تعالى من أنّ الصلاة جامعة للعبادات كلها وزائدة عليها لأنها ببذل المال في الساتر ونحوه كالزكاة وللزوم مكان كالاعتكاف وبالتوجه للكعبة كالحج ولذكر اللّه ورسوله كالشهادتين ولمدافعة الشيطان كالجهاد وللإمساك عن الأطيبين كالصوم وتزيد بالخشوع ووجوب القراءة وغيره وجوّز في الصبر أن يراد به الصبر على الصلاة وسيأتي في كلام المصنف إشارة إليه .
قوله : ( روي أنه عليه الصلاة والسلام الخ ) أخرجه أحمد وأبو داود وحزبه بحاء مهملة وزاي معجمة وباء موحدة بمعنى أهمه ونزل به وضبطه الطيبيّ وغيره حزنه كضربه بالنون من الحزن بمعنى أحزنه أي حصل له حزنا ، وفي الدرّ المصون قيل الفتحة معدّية للفعل نحو شترت عينه وشترها اللّه وهذا على قول من يرى أنّ الحركة تعدي الفعل ، وقوله فزع إلى الصلاة أي قام لها ملتجئا إليها قال المبرّد في الكامل الفزع في كلام العرب على وجهين أحدهما الزعر والآخر الاستنجاد والاستصراخ وهو المراد هنا ويكون فزع بمعنى أغاث . قوله : ( وإنها أي الاستعانة الخ ) لما ذكر الصبر والصلاة كان المتبادر أن يقال : إنهما فجعل الضمير إمّا للصلاة أو الاستعانة فإن فسر الصبر بالصبر على الصلاة فرجوع لضمير إلى الصلاة أشبه لأنه مذكورة لفظا وأقرب والمقصود نفسها وإلا فإلى الاستعانة ليكون أشمل وما يقال : من أنّ الاستعانة في نفسها ليست بكبيرة لا طائل تحته فإنّ الاستعانة بالصلاة أخص من فعل الصلاة لأنها أداؤها على وجه الاستعانة بها على الحوائج أو على سائر الطاعات لاستجرارها ذلك وقوله أو جملة ما أمروا الخ فالضمير راجع إلى المذكورات المأمور بها والمنهيّ عنها ومشقتها عليهم ظاهرة ، ولما كان الكبر عظم الأجسام بين أنّ المراد لازمه وهو مشقة حمله وأشار إلى أنه مستعمل بهذا المعنى .
قوله : ( أي المخبتين الخ ) الخبت المطمئنّ من الأرض ويراد به التواضع والخشوع ، والخضوع والخشوع متقاربان بمعنى الضراعة والتذلل وأكثر ما يستعمل في الجوارح والضراعة أكثر ما تستعمل في القلب ولذلك روي إذا ضرع القلب خشعت الجوارح كذا قال الراغب