مِنْها جَمِيعاً
كرّر للتأكيد أو لاختلاف المقصود فإنّ الأوّل دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك والتنبيه على أنّ مخافة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين وحدها كافية للحازم أن تعوقه عن مخافة حكم اللّه سبحانه وتعالى فكيف بالمقترن بهما ولكنه نسي ولم نجد له عزما وأنّ كل واحد منهما كفى به نكالا لمن أراد أن يذكر وقيل الأوّل من الجنة إلى سماء الدنيا والثاني منها إلى الأرض وهو كما ترى وجميعا حال في اللفظ تأكيد في المعنى كأنه قيل اهبطوا أنتم أجمعون ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمان واحد كقولك
شرح
الرحمة إحسان على إحسان . قوله : ( كرّر للتأكيد الخ ) ولذا لم يعطف وحسنه أنه رتب على الأوّل غير ما رتب على الثاني وهو نوع من البديع يسمى الترديد وقد يعاد المبنيّ عليه تأكيدا وتذكيرا له لطول الفصل ، كما سيأتي في آل عمران في فلا تحسبنهم فمن قال التكرار في الكلام التام خصوصا بعد الفصل بالأجنبيّ المحض للتأكيد بيد جدّا ولذلك عطف الزمخشريّ عليه ما ذكر من النكتة بالواو لم يصب وقدّم على هذا التوبة والتلقي لفرط الاهتمام بصلاح حاله وفراغ باله والإخبار بقبول توبته والتجاوز عن هفوته وإزالة ما عسى تتشبث به الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقد فضل عليهم وأمروا بالسجود له فإن كان كذلك في المحكيّ فلا كلام فيه وإلا فالحكاية تراعي فيها تلك النكت أيضا فلا يرد عليه شيء كما توهم . قوله : ( أو لاختلاف المقصود الخ ) فالفصل عن السابق ليس لأنه تأكيد بل لتباين الغرضين من الجملتين وهو من جهات الفصل ثم بين التغاير بينهما بأنهم ذكر إهباطهم أوّلا للتعادي وعدم الخلود فالأمر فيه تكوينيّ ، وثانيا ليهتدي من يهتدي ويضل من يضل فالأمر فيه تكليفيّ إذ لم يكن لهم تكليف قبله بغير المنع من الشجرة ، وعبر في الأوّل بدلّ لأنه منطوقه فالتعادي والابتلاء من قوله بعضكم الخ وعدم الخلود من قوله إلى حين ، وفي الثاني بأشعر لأنه من فحوى الكلام إذ لم يصرح فيه بتكليف وإنما أخذ من تعقيبه بالفاء واهتدى الهدى إما على الحذف والإيصال أي إلى الهدى أو على تضمينه فعل الهدى أو سلك الهدى ونحوه . قوله : ( والتنبيه على أن مخافة الإهباط الخ ) الأمر إن هما ما ذكر مع الأوّل من التعادي وزوال الخلود وما ذكر مع الثاني من التكليف معنى فكان ينبغي أن لا يخالفا لخوف الإهباط لأحد هذين الأمرين فكيف بجميعهما فلو لم يعد الأمر لعطف فإما يأتينكم على الأوّل فيكون المعاقب به هو الإهباط المترتب عليه جميع هذه الأمور والحازم بالحاء المهملة والزاي المعجمة الضابط لأموره المستوثق فيها ، وقوله ولكنه نسي الخ اقتباس لبيان عذره بأنه نسي ما أمر به ولو لم ينسه لخاف من الطرد المترتب عليه ما ذكر وقوله وإن كل واحد توضيح لما مر وبيان له في نفسه . قوله : ( وقيل الأول من الجنة الخ ) وهو ضعيف لأنه يأباه قوله في الأوّل :وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ[ سورة البقرة ، الآية : 36 ] الخ ولأنّ الظاهر اتحاد مرجع الضمائر ثمّ وما قاله الإمام من أنه لما منّ اللّه عليهما بالقبول ربما توهم الإعادة إلى الجنة فبين أنه أمر محتوم وقضاء مبرم فهو حسن ولا ذكر