أتى به الرسل واقتضاه العقل أي فمن تبع ما أتاه مراعيا فيه ما يشهد به العقل فلا خوف عليهم فضلا من أن يحل بهم مكروه ولا هم ممن يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع نفى عنهم العقاب وأثبت لهم الثواب على آكد
شرح
كافيا لكان إتيان الكتاب والرسول واجبا فلم يكن يصح الإتيان بكلمة الشك فلما أتى بها آذن أنه ليس بواجب فتعين الوجوب بطريق العقل وهذا على أصول المعتزلة وأما عندنا فلا وجوب على اللّه فوجه كلمة إن ظاهر إذ لا قطع بالوقوع بل إن شاء هدى وإن شاء ترك لكن لما علم من فضله ورحمته أكد كلمة أن بما إيماء إلى رجحان الوقوع وهذا معنى كلام المصنف رحمه اللّه فهو ردّ عليه لابتنائه على التحسين والتقبيح العقليين وقيل : إنّ الهدى الخاص بإنزال الكتب والإرسال ليس بواجب عند المعتزلة أيضا فلا ردّ فيه فتأمّل وقيل : إنّ إن إذا قرنت بما لا تقتضي الشكّ واعترض عليه بأنّ المفهوم منه أن ما يحتمل في نفسه لكونه غير واجب عقلا من مواقع إن وهو ينافي ما مر في قوله تعالى :فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا[ سورة البقرة ، الآية : 24 ] وفيه نظر ، ومتى متعلق بيأتينكم لأنّ الخير كله منه . قوله : ( وكرر لفظ الهدى الخ ) النكرة إذا أعيدت معرفة فهي عين فكان الظاهر الإضمار لكنه ليس بكليّ وهي هنا غير لأنّ الأوّل الهداية الحاصلة بالرسل والكتب ، والثاني أعم لأنه شامل لما يحصل بالاستدلال والعقل وليس هذا مبنيا على مذهب المعتزلة كما توهم ، وقيل إنه جعل الهدى أوّلا بمنزلة الإمام المتبع المقتدى به ثم ذكره مضافا إلى نفسه وفيه من التعظيم ما لا يكون لو أتى به معرّفا باللام وإن كان ذلك سبيل ما يكون نكرة ثم بعاد فكيف لو اكتفى عنه بالضمير وهذا وجه وجيه للعدول من غير احتياج إلى مخالفة القاعدة وهو من قول الطيبي أنه وضع المظهر موضع المضمر للعلية لأنّ الهدى بالنظر إلى ذاته واجب الاتباع وبالنظر إلى أنه أضيف إلى اللّه إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع وهذا موافق لقوله :وَالَّذِينَ كَفَرُوافي مقابلةفَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَفالمقابل له حكم المقابل ، وقوله ما أتاه الخ بيان للعموم السابق . قوله : ( فلا خوف عليهم فضلا الخ ) خوف مبتدأ وعليهم خبره أو عاملة عمل ليس والأوّل أولى ، وقرىء بالرفع وترك التنوين لنية الإضافة وبالفتح والخوف الفزع مما يكون في المستقبل فيكون قبل وقوعه منفيه يدل على نفي الوقوع بالطريق الأولى وليس المراد نفي الخوف بالكلية بل نفيه عنهم في الآخرة كما سيأتي وقوله ولا هم ممن يفوت عنهم محبوب تفسير للحزن وهو ضد السرور مأخوذ من الحزن وهو ما غلظ من الأرض فكأنه ما غلظ من الهمّ ولا يكون إلا في الأمر الماضي عند بعضهم فيؤوّل حينئذإِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ[ سورة يوسف ، الآية : 13 ] ونحوه بعلمه بذلك الواقع وقيل : إنه والخوف كلاهما في المستقبل لكن الخوف استشعار لفقد مطلوب والحزن استشعار غمّ لفوت محبوب كما في إني ليحزنني الآية وقيل : لا خوف عليهم من الضلالة في الدنيا ولا حزن من الشقاوة في العقبى وقدّم انتفاء الخوف لأنّ انتفاء الخوف فيما هو آت أكثر من انتفاء الحزن على ما فات ولذا صدّر بالنكرة التي هي أدخل في النفي وقدّم الضمير إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن وأنّ غيرهم