بعدما قيل له اخرج منها فإنك رجيم فقيل إنه منع من الدخول على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة ولم يمنع أن يدخل للوسوسة ابتلاء لآدم وحوّاء وقيل قام عند الباب فناداهما وقيل تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة وقيل دخل في فم الحية حتى دخلت به وقيل أرسل بعض أتباعه فأزلهما والعلم عند اللّه سبحانه وتعالى
فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ
أي من الكرامة والنعيم
وَقُلْنَا اهْبِطُوا
خطاب لآدم عليه الصلاة والسلام وحواء لقوله سبحانه وتعالى :
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً
وجمع الضمير لأنهما أصلا الإنس فكأنهما الانس كلهم أولهما وإبليس أخرج منها ثانيا بعد ما كان يدخلها للوسوسة أو دخلها مسارقة
شرح
قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه فوسوس لهما الشيطان عنها أي عن الشجرة لأنها شاذة مع أنه يصح عود الضمير إلى الجنة بتضمين الإذهاب ونحوه ، وقوله ومقاسمته إياهما إني لكما لمن الناصحين أي مقاسمته على ذلك أو بقوله ذلك وسيأتي تفسيرها وقد قالوا أوّل مخلوق كذب وحسد إبليس . قوله : ( واختلف في أنه تمثل لهما فقاولهما الخ ) أي تمثل في صورة غيره فكالمهما بما ذكر من الكلمات أو ألقاه بطريق الوسوسة من غير تصوّر وتكلم كما هو الآن وقيل : الأمر في قوله أخرج يحتمل أن يكون للإهانة كما في قوله كونوا حجارة وهو بعيد .
قوله : ( قام عند الباب فناداهما ) اعترض عليه بأنه لا يصح مع قوله :فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُإذ الوسوسة الصوت الخفيّ وله أن يقول : إنه أصل معناها كما سيأتي وقد تستعمل للكلام على وجه الإفساد مطلقا . قوله : ( بعض اتباعه ) قوّاه الإمام بأنهما كانا يعرفانه ويعرفان عداوته وحينئذ فيستحيل أن يقبلا قوله وقيل : عليه كأنه لم يتأمل قوله تعالى :وَناداهُما رَبُّهُماإلى قولهإِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌفإنه صريح في مباشرة الشيطان نفسه وفيه نظر وقوله والعلم عند اللّه إشارة إلى ما قال أبو منصور رحمه اللّه تعالى ليس لنا البحث عن كيفية ذلك ولا نقطع القول بلا دليل . قوله : ( أي من الكرامة والنعيم ) اختار هذا التفسير لصحته على كل من الاحتمالين المذكورين في مرجع ضمير عنها وأما تفسيره بالجنة فمخصوص بعوده إلى الشجرة وهو ظاهر ، وقيل : أخرجهما من لباسهما الذي كانا فيه من نور أو حلة أو ظفر لأنهم لما أكلا منها تهافت عنهما . قوله : ( خطاب لآدم عليه الصلاة والسلام وحواء الخ ) في الكشاف والصحيح أنه لآدم وحواء ، والمراد هما وذرّيتهما الخ واستدل بالآية المذكورة لتعين الخطاب فيها لهما والقصة واحدة وبعضكم لبعض عدوّ حكم فيما بين الذرية وليس المراد التعادي بينهما وبين إبليس بل فيما بين بني آدم لقوله تعالى :فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ[ سورة طه ، الآية : 123 ] الخ حيث قسمهم إلى المؤمنين والكافرين وبين ما لكل فريق من الجزاء وقوله وجمع الضمير الخ ظاهره أنه لتنزيلهما منزلة البشر كلهم بهذا الاعتبار لا لشمول الخطاب لهم ولذلك ترك قول الزمخشريّ والمراد الخ لأنه وإن ارتبط به ما بعده كما قرره شراحه وقد نقلناه لكنه لا مساغ له إلا على القول بأنّ خطاب المشافهة يشمل المعدوم ، فتأمل . قوله : ( أو لهما وإبليس ) معطوف على قوله لآدم ولما اقتضى هذا اهباطه معهما وقد طرد منها قبل ذلك وجهه بأنه منع من دخولها على وجه التكرمة