يورث داعية وميلا يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضي العقل والشرع كما روي « حبك الشيء يعمي ويصم » فينبغي أن لا يحوما حول ما حرّم اللّه عليهما مخافة أن يقعا فيه وجعله سببا لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي أو بنقص حظهما بالإتيان بما يخلّ بالكرامة والنعيم فإنّ الفاء تفيد السببية سواء جعلته للعطف على النهي أو الجواب له والشجرة هي الحنطة أو الكرمة أو التينة أو شجرة من أكل منها أحدث والأولى أن لا تعين من غير قاطع كما لم تعين في الآية لعدم توقف ما هو المقصود عليه وقرىء بكسر الشين وتقربا بكسر التاء وهذي بالياء
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها
أصدر زلتهما
شرح
بل قال : من الظالمين على ما تقرّر وسيأتي إن شاء اللّه تعالى أنّ قولك زيد من العالمين أبلغ من قولك زيد عالم لجعله عريقا في العلم أبا عن جدّ وكذا تكونا لأنها تدلّ على الدوام ومن غفل عن هذا قال : كأنه أطلق الجمع وأراد التثنية لأن المبالغة هنا بطريقين ، أحدهما تعليق النهي بالقرب كما بينه وثانيهما جعله سببا لكونهما من الظالمين أو يقال : الأولى لما تضمنت اعتبارات جعلت أكثر من واحدة وضمير تحريمه وعنه للقرب اه وقيل : لا تقرب بفتح الراء نهى عن التلبس بالفعل وبضمها بمعنى لا تدن منه وضمير يأخذ للميل ومجامع القلب أي أطراف ما يحيط به ، وقوله كما روي الخ هو حديث أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء رضي اللّه « 1 » عنه مرفوعا وقال الميدانيّ معناه يخفي عنك معائبه ويصم أذنيك عن سماع مساويه كما قال الشاعر :وكذبت طرفي فيك والطرف صادق * وأسمعت أذني فيك ما ليس يسمعقوله : ( وجعله الخ ) أي القرب وفسر الظلم بظلم نفسه بالمعصية إما بناء على تجويز مثله أو أنه قبل النبوّة أوليس في دار التكليف أو بمعنى نقص الحظ إن لم يكن كذلك لأن الظلم يكون بمعنى نقص الشيء من حقه كما أشار إليه الراغب رحمه اللّه ، وأورد عليه أنه مخالف لقطعه فيما سبق يكون النهي المذكور للتحريم بناء على الظاهر المتبادر .
قوله : ( تفيد السببية سواء جعلته الخ ) يعني أنه إمّا مجزوم بحذف النون معطوف على تقربا فيكون منهيا عنه أو على مذهب الكسائي فإنه يجوّز لا تكفر تدخل النار وكان على أصل معناها أو منصوب بحذفها على أنه جواب للنهي كقوله تعالى :وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ[ سورة طه ، الآية : 81 ] والنصب بإضمار أن عند البصريين وبالفاء نفسها عند الجرمي وبالخلاف عند الكوفيين وكان حينئذ بمعنى صار . قوله : ( والشجرة الخ ) وقيل : هي الحنظلة وقيل : النخلة إلى غير ذلك والأولى عدم القطع والتعيين كما أن اللّه لم يعينها باسمها في الآية ولا يترتب على تعيين الشجرة ثمرة والشجر ما له ساق ، وقيل : كل ما تفرّع له أغصان وعيدان وقيل : أعمّ من
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 130 من حديث أبي الدرداء بلفظ : « حبك الشيء يعمي ويصم » . وهو ضعيف وذكره الألباني في « الضعيفة » 1868 .