تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
تعالى عنهما فلذلك صح عليه التغير عن حاله والهبوط من محله كما أشار إليه بقوله عز وعلا إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربه لا يقال كيف يصح ذلك والملائكة خلقت من نور والجنّ من نار لما روت عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنه عليه الصلاة والسلام قال : « خلقت الملائكة من النور وخلقت الجنّ من مارج من نار » لأنه كالتمثيل لما ذكرت فإنّ المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك غير أنّ ضوأها مكدّر مغمور بالدخان محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويبقى الدخان الصرف وهذا أشبه بالصواب وأوفق للجمع بين النصوص والعلم عند اللّه سبحانه وتعالى ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر والحث على الائتمار
شرح
وسخر من جنّ الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجروقيل الجنّ صنف من الملائكة لا تراهم الملائكة مثلنا وقوله كما قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما لأنه قال : إنّ من الملائكة ضربا يتوالدون يقال لهم الجنّ أي يطلق عليهم الجنّ من إطلاق العامّ على الخاص فيكون كقوله يشملهما بلا فرق فلا يرد عليه ما قيل : إنّ ما ذكره سابقا عنه أنّ الجنّ ضرب من الملائكة وأنّ إبليس من ذلك الضرب ، وما ذكره ههنا إنه من صنف الجنّ المقابل لصنف الملائكة منهم ينافيه فأين هذا من ذاك ، وقوله فلذلك صح عليه التغير يعني بعد تسليم كونه من الملائكة فلا يرد عليه ما قيل : في التفريع نظر فإنّ صحة تغير حاله لا تقتضي عدم مغايرته الملائكة بالذات بل هو على تقديره أظهر ، وقوله كما أشار إليه هذا بناء أيضا على تفسيره السابق بأنه كان منهم فعلا ، فلا يرد عليه أنّ هذه الآية لا تدلّ على أنه من جنسهم . قوله : ( لا يقال كيف يصح ذلك ) أي عدم المخالفة بينهما بالذات وما ذكره عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها حديث صحيح رواه مسلم « 1 » . وقوله لأنه كالتمثيل جواب للسؤال المذكور ولم يقل : إنه تمثيل حتى يرد عليه أنه إخراج للنصوص عن ظاهرها كما يذهب إليه الباطنية وكثير من المعتزلة كما توهم لأنّ المفهوم من قوله فإنّ المراد بالنور الخ أنه أمر حقيقيّ وأنه إشارة إلى اتحاد مادّتهما بالجنس واختلافها بالعوارض فهو مشابه للتمثيل في تصوير مدّعاه وإظهاره ونكص بمعنى رجع وجذعة بمعنى حديثة فتية يقول من يريد الرجوع لأمر مضى إن شئت أعدتها جذعة ، وأورد عليه أنه يدلّ على أنّ الجن من نار مخلوطة بالدخان كما صرّح به المصنف وغيره إلا أن يقال : المراد بصفائها صفاؤها بحسب ظاهر الجنس وهو لا ينافي اختلاطها به في الواقع . ( أقول ) : معنى المرج لغة الخلط فمارج بمعنى مختلط وبه فسره
هامش
( 1 ) يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم 2996 وأحمد 6 / 153 - 168 والبيهقي في « الأسماء والصفات » ص 385 - 386 كلهم من حديث عائشة بلفظ : « خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من نار ، وخلق آدم ممّا قد وصف لكم » .