فإنه إذا علم أنّ الأكابر مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أنّ الأصاغر أيضا مأمورون به والضمير في فسجدوا راجع إلى القبيلين فكأنه قال فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة كما أن من الإنس معصومين والغالب فيهم عدم العصمة ولعلّ ضربا من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات كالبررة والفسقة من الإنس والجنّ يشملهما وكان إبليس من هذا الصنف كما قاله ابن عباس رضي اللّه
شرح
أولا ، نحو رأيت القوم إلا فرسا فالمنقطع نوعان والمتصل نوع واحد ويكون المنقطع كنقيض المتصل فإنّ نقيض المركب بعدم أجزائه ، فقوله تعالى :لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ[ سورة الدخان ، الآية : 56 ] منقطع بسبب الحكم بغير النقيض لأنّ نقيضه ذا قوة فيها وليس كذلك وكذلك إلا أن تكون تجارة لأنها لا تؤكل بالباطل بل بحق وكذلك إلا خطأ لأنه ليس له القتل مطلقا وإلا لكان مباحا فتنوع المنقطع إلى ثلاثة أنواع الحكم على الجنس بغير النقيض والحكم على غيره به أو بغيره والمتصل نوع واحد فهذا هو الضابط فما نحن فيه منقطع إن لم يكن منهم فتأمّل . قوله : ( أو الجنّ كانوا أيضا مأمورين الخ ) قيل : الفرق بينه وبين الوجه الأوّل أنّ التغليب في الأوّل على إبليس فقط وفي هذا على الجنّ المطلق الداخل فيه إبليس ، وكان يحتمل أن يكون الثاني من قبيل دلالة النص لولا قوله والضمير في فسجدوا راجع إلى القبيلين وعلى التقادير يكون الاستثناء متصلا لا منقطعا . ( أقول ) : الظاهر أنّ المصنف رحمه اللّه أراد الوجه الذي ذكره الإمام بقوله أو يقال : إنه أمر بلفظ غير مذكور في القرآن لقوله تعالى :إِذْ أَمَرْتُكَ[ سورة الأعراف ، الآية : 12 ] يعني أنه يقتضي أن يكون مأمورا صريحا لا ضمنا فيكون مقدّرا وهو وقلنا للجنّ اسجدوا وقوله فإنه إذا علم الخ بيان للقرينة الدالة عليه فالفرق بينه وبين الأوّل عموم الأمر للجنّ ، والدلالة على ذلك بلفظ مقدّر فليس من التغليب في شيء وأمر الضمير ظاهر حينئذ . قوله : ( وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم الخ ) عطف على أنّ إبليس وهو مبنيّ على ما ارتضاه من أنه ملك قال علم الهدى زوال العصمة عن أفراد الملائكة بتحقق المعصية منهم جائز إذا تعلق به عاقبة حميدة لا وخيمة بخلاف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عندنا ، وسيأتي الكلام عليه في قصة هاروت وماروت ، وفي التيسير وأمّا وصف الملائكة بأنهم لا يعصون ولا يستكبرون فدليل لتصوّر العصيان منهم ولولا تصوّره لما صرّح به لكان طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف وطاعة البشر تكلف ومتابعة الهوى منهم طبع ولا يستنكر من الملائكة صدور العصيان مع قصة هاروت وماروت . قوله : ( ولعلّ ضربا من الملائكة الخ ) قال ابن إسحاق : الجنّ اسم للملائكة أيضا لاجتنانهم أي استتارهم عن أعين الناس وهذا معنى قول المصنف يشملهما أي بحسب الاشتقاق وأصل اللغة وقال تعالى :وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً[ سورة الصافات ، الآية : 158 ] فسر بالملائكة ، وورد مثله في كلام العرب قال الأعشى في سليمان عليه الصلاة والسلام :