تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
على ذلك قوله سبحانه وتعالى
إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ
لجواز أن يقال إنه كان من الجنّ فعلا ومن الملائكة نوعا ولأنّ ابن عباس رضي اللّه عنهما روى أنّ من الملائكة ضربا يتوالدون يقال لهم الجنّ ومنهم إبليس ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنيا نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغمورا بالألوف منهم فغلبوا عليه أو الجنّ أيضا كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم .
شرح
وقال فخر الإسلام أنه لا طائل تحته والأحسن الكف عنه وما ذكره المصنف رحمه اللّه فيه إشارة إلى هذا وسيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى ، وقوله وأنّ إبليس كان من الملائكة لأنه استثناه منهم ودخوله في الأمر يدل على ذلك وقد نقل عن ابن عباس وغيره وكونه منقطعا ونحوه خلاف المتبادر فمعنى قوله ولم يصح يعني على الاتصال المتبادر وأما قوله :كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَالآية فتنافي هذا بحسب الظاهر فأوّلها المصنف رحمه اللّه بأنه منهم فعلا لا نوعا كما قال الشاعر :نحن قوم بالجنّ في زيّ ناسلكنه استبعد بأنه رتب على كونه من الجنّ فعلهم بقوله ففسق وبأنه مخالف لما سيذكره في تفسير الآية من أنها دالة على أن الملائكة لا تعصى البتة فهو جني في أصله ، وقال علم الهدى : يحتمل أن يكون المعنى أنه صار من الجنّ بعدما كان ملكا بأن مسخ كما مسخ بعض بني آدم قردة وهو قول ثالث غريب وما رواه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما من أن الملائكة نوعان نوع مجرّدون مطهرون ونوع ليسوا كذلك يناسب قوله فيما سيأتي ولعلّ ضربا من الملائكة الخ وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللّه تعالى . قوله : ( ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة الخ ) لما تعارضت النصوص فاقتضى بعضها كون إبليس من الجنّ وبعضها كونه من الملائكة احتاجوا إلى التأويل في أحد الطرفين فاختار المصنف أنه من الملائكة والزمخشريّ أنه من الجنّ فأشار إلى ضعفه بالتعبير بالزعم وهم يقولون إنه جني سبته الملائكة فأقام معهم فغلبوا عليه لكثرتهم وشرفهم فالاستثناء متصل أيضا قيل : لأنّ العبرة بالدخول في الحكم لا في حقيقة اللفظ فمن قال إنّ الاستثناء متصل إن كان من الملائكة ومنقطع إن لم يكن منهم لم يصب ، وهذا ردّ على السعد وغيره وليس بوارد قال القرافي في العقد المنظوم النحاة وأهل الأصول يقولون المنقطع المستثنى من غير جنسه والمتصل المستثنى من جنسه وهو غلط فيهما فإنّ قوله تعالى :لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ[ سورة البقرة ، الآية : 188 ] من جنس ما قبله وكذا قوله :لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى[ سورة الدخان ، الآية : 56 ] وهو منقطع فبطل الحدّان وكذاوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأًوالحق أن المتصل ما حكم فيه على جنس ما حكمت عليه أوّلا بنقيض ما حكمت به ولا بدّ من هذين القيدين فمتى انخرم أحدهما فهو منقطع بأن كان غير الجنس سواء حكم عليه بنقيضه