وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
لما أنبأهم بالأسماء وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم بالسجود له اعترافا بفضله وأداء لحقه واعتدارا عما قالوا فيه وقيل أمرهم به قبل أن يسوّي خلقه لقوله سبحانه وتعالى :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ *
امتحانا لهم واظهارا لفضله والعاطف عطف الظرف على الظرف السابق أن نصبته بمضمر وإلا عطفه بما يقدر عاملا فيه على الجملة المتقدّمة بل القصة بأسرها على القصة الأخرى وهي نعمة رابعة عدّها عليهم والسجود في الأصل تذلل مع تطامن قال الشاعر :
شرح
خلقه وما فيه من المصالح والحكم وغير ذلك قبل وجوده . قوله : ( تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) غير الأسلوب فقال : أوّلاوَإِذْ قالَ رَبُّكَ *وهنا وإذ قلنا بضمير العظمة لأنه في الأوّل ذكر خلق آدم واستخلافه فناسب ذكر الربوبية مضافة إلى أحب خلفائه ، وهنا المقام مقام أمر يناسب العظمة وأيضا السجود للتعظيم فلما أمر بفعله لغيره أشار إلى كبريائه الغنيمة عن التعظيم ونحوه في التعبير ما مر من قوله للملائكة أنبؤني ليكون عجزهم عنده أعظم عليهم وقال لآدم عليه الصلاة والسلام أنبئهم تلطفا به وإظهار الفضلة عليهم . قوله : ( أمرهم بالسجود ) يعني أن الأمر في هذه الآية منجز والفاء التعقيبية في قوله فسجدوا ظاهرة في عدم تراخي سجودهم عن الأمر وهذا يقتضي أن يكون بعد التعليم والأنباء وقوله اعترافا علة للسجود ، وأداء لحقه إذ علمهم ما لم يعلموا وحق الأستاذ على من علمه حق تعظيم حتى قيل : لو جاز السجود لمخلوق لاستحقه المعلم ممن علمه ومن قال الأمر للفور استدل بذمّ إبليس على ترك الفور ولا دليل عليه سوى الأمر ، وأجيب بأنّ دليل الفور ليس مطلق الأمر بل الفاء قيل : وعلى هذا لا يصح قوله اعترافا بفضله وأداء لحقه اعتذارا عما قالوه لكن التحقيق أن الفاء الجزائية لا تدل على التعقيب من غير تراخ كما في التلويح فتأمّل . قوله : ( وقيل أمرهم به قبل أن يسوّي خلقه الخ ) فيكون أمرا غير تنجيزيّ وحكمة الامتحان لهم ليعلم المطيع من غيره وليظهر فضله حين سألوا عنه وهذا أيضا في التفسير الكبير والمصنف رحمه اللّه تعالى أشار إلى عدم ارتضائه ولم يشر إلى جواب استدلاله بالآية وهو أن الفاء الجوابية لا تقتضي التعقيب كما في قوله تعالى :إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ[ سورة الجمعة ، الآية : 9 ] فإنه لا يجب السعي عقبه ومنهم من أوّل هذه الآية بأنها لا تعارض الأخرى إذ ليس فيها ما يقتضي وقوعها بعد الإنباء لعطفها بالواو ومنهم من رآها لذكرها بعد الأنباء ظاهرة في التأخر فقال : إنّ الأمر بالسجود وقع مرتين مرة عقب خلقه ومرة بعد أنبائه وضعفه بعضهم وادّعى آخرون أنه مشهور وأمّا ما قيل : إنّ المراد بنفخ الروح في هذه الآية التعليم لما اشتهر أن العلم حياة والجهل موت فبعيد . قوله : ( والعاطف عطف الظرف على الظرف الخ ) والمراد العامل المقدّر وهو أذكر كما مر أو بدأ خلقكم أي الذكر الحادث وقت قوله للملائكة إني جاعل والآخر عند أمرهم بالسجود ، فإن لم يقدر في الأوّل يقدر في هذا أطاعوه فسجدوا ولا يعطف بدون تقدير لأن الظرف الأول منصوب حينئذ بقالوا فلا يصح عطفه عليه لأنّ قولهم ذلك ليس وقت أمرهم