لترجح أمره باجتماع أسبابه وكثرة الدواعي إليه وغلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ
شرح
اعتقد أنّ له في الفعل أو الترك مصلحة راجحة حصل في قلبه ميل جازم إليه فهذا الاعتقاد سواء نشأ عن علم أو ظنّ هو المسمى بالداعية مجازا من قولهم دعاه أي طلبه فكأنّ علمه بالمصلحة طلب منه الفعل وقد يسمى الداعي بالغرض ، ومجموع القدرة ، والداعية يسمى علة تامّة كما ذكره الأصوليون وفسرت هنا بالزواجر والمرغبات وعلى هذا الوجه الترجي مستعار للإرادة ، كما صرّح به السيد وغيره وهو مع ظهوره قيل عليه / أن في شرح المقاصد أن الإرادة عند محققي المعتزلة العلم بما في الفعل من المصلحة ولا شك أنه لا شك في أنه لا مشابهة بين العلم والترجي أصلا فلا يظهر اعتباره في الآية ويمكن أن يقال إنه نقل في شرح المقاصد أيضا عن الكعبيّ من المعتزلة أنّ إرادة فعل الغير الأمر به فيندفع الإشكال إذ المراد بالأمر الطلب بقي أنّ المشابهة بين الرجاء والإرادة بمعنى الطلب أو الصفة المرجحة المخصصة للفعل ظاهرة بلا حاجة إلى اعتبار المترجي منه والمراد منه على أنّ المتبادر من تقديره قدّس سرّه أنّ المعتبر في الترجي رجحان جانب الفعل بحسب الوقوع في نفس الأمر وليس كذلك إذ يكفي ترجيحه في نظر الزواجر وهذا كله من ضيق العطن وتكثير السواد بما لا يليق بمثله فإنّ العلم ليس مطلقا بل علم مصلحة الفعل ولا خفاء في مشابهته للترجي في جانب الوقوع فيهما وما بعده على طرف الثمام . قوله : ( وغلب المخاطبين على الغائبين الخ ) هذا جواب عن سؤال هو أنه كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون خلق من قبلهم لذلك فلم قصر عليهم دون من قبلهم ، فأجيب بأنه لم يقصر عليهم ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم جميعا ولو لم يغلب قيل لعلكم وإياهم ، وهذا محصل ما في الكشاف إلا أنه قيل على المصنف أنه عمم أوّلا في قوله الذين من قبلكم لغير العقلاء ثم اعتبر هنا تغليب المخاطبين على من قبلهم العامّ فيلزمه أن يكون ما سوى الإنسان من الجماد والحيوان الداخل فيمن قبلهم مطلوبا منه التقوى وإنما لزمه هذا من جمعه بين كلام الراغب والزمخشري ، فإنّ الزمخشري اعتبر التغليب لكنه لم يعمم الذين من قبلهم لغير العقلاء والراغب عكس فلما جمع بين كلاميهما لزم منه ما لزم ، وأجيب بأنّ قوله لعلكم تتقون إذا كان حالا من ضمير اعبدوا تناول الذين من قبلكم العقلاء وغيرهم وهو الذي اختاره الراغب واقتصر عليه وإذا كان حالا من مفعول خلقكم والمعطوف عليه كان المراد بقوله الذين من قبلكم الأمم السالفة وهو الذي اختاره في الكشاف والتغليب مختص بهذا الوجه فكأنه قال أو عن مفعول خلقكم والمعطوف عليه لا على معنى جعله متناولا لغير ذي العقول بل على أنه خلقكم ومن قبلكم من الأمم السالفة وغلب المخاطبين من الأمم على الغائبين منهم فلا إشكال فيه . وأمّا جعل هذا التفاتا لمن ذكر بطريق الغيبة من غير حاجة إلى التغليب فقيل إنه لم يلتفت إليه لأنه لا يجوز صرف الخطاب عن جماعة إلى جماعة أشمل من الأولى في كلام واحد ولا يخفى عليك أنه لا بدّ من التغليب في قوله الذين من قبلكم أيضا لأنّ الذين ونحوه من صيغ جمع المذكر السالم مخصوص بالعقلاء فإطلاقه على غيرهم إنما يكون