خلقكم والمعطوف عليه على معنى أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى
شرح
مفعول خلقكم الخ ) معطوف على قوله من الضمير في اعبدوا إشارة إلى ما في الكشاف بعد ما ذكر حقيقتها من الترجي والإشفاق وأنها تكون في كلامه تعالى للإطماع من أنها هنا ليست في شيء لأنّ الرجاء لا يجوز عليه تعالى ، وحمله على أنه يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد فلعلّ هنا مجاز لأنه خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف وركب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلة عن أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين ووضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير والتقوى فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل ففي الكلام استعارة لتشبيههم بالمرجوّ منهم ، وتشبيهه تعالى بالراجي فإنّ هناك حالة شبيهة بالرجاء وهي إرادته تعالى منهم التقوى فأمّا أن تعتبر استعارة كلمة الترجي للإرادة استعارة تبعية حرفية أو يلاحظ هيئة مركبة من راج ومرجوّ منه ورجاء فتكون تمثيلية صرّح من ألفاظها بالعمد منها ونوى ما سواه فلا تجوّز في لعلّ كما مرّ تفصيله إلا أنه قيل إنّ كلامه يميل إلى الأوّل إلا أنه راعى الأدب فلم يصرّح بنسبة التشبيه إليه تعالى ولا إلى إرادته وإن صرّح به في محل آخر لأنه لا تظهر المشابهة بين الإرادة والرجاء إلا باعتبار حال متعلقيهما أعني المكلف والمترجي منه فذكر التشبيه بين حاليهما لتظهر تلك المشابهة في أنّ متعلق كل من الإرادة والترجي متردّد بين الفعل وعدمه مع رجحان ما لجانب الفعل فإنه تعالى وضع بأيديهم زمام الاختيار ، وأراد منهم الطاعة كما هو مذهب المعتزلة ونصب لهم أدلة عقلية ونقلية داعية إليه ، ووعد وأوعد وألطف بما لا يحصى فلم يبق للمكلف عذر وصار حاله في رجحان اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في اختياره لما ترجى منه مع تمكنه من خلافه وصارت إرادته تعالى لاتقائه بمنزلة الترجي ، ولما كان ما ذكره المصنف أقرب إلى الحقيقة وهو مجاز ما فيه من الابتناء على الاعتزال رجح الأوّل واختاره ولم يلتفت لما أوردوه عليه وأسقط منه قوله وضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير لأنه نزغة اعزالية فإذا سلم الكلام منها لم يبق به بأس ولذا قال ابن عطية لما اختار تعلقه بخلقكم لقربه أنه لما ولد كل مولود على الفطرة . كان بحيث إن تأمّله متأمّل توقع منه رجاء أن يكون متقيا ، وليس هذا ما في الكشاف بعينه كما توهم بل هو وجه آخر أبقى فيه لعلّ على حقيقته من الترجي إلا أنّ الترجي ليس من المتكلم ولا من المخاطب بل من غيرهما كما في قوله تعالى :فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ[ سورة هود ، الآية : 12 ] ومن نزل عليه كلام المصنف وقال المعنى إنه خلقكم ومن قبلكم والحال أنّ من شأنكم وشأنهم أن يرجو منكم ومنهم التقوى كل من يتأتى منه الرجاء والتوقع وهذا لا يستلزم تشبيهه تعالى بالمترجي ولا تعيين الراجي خبط وخلط ، والذي عليه أرباب الحواشي أنّ هذا بعينه ما في الكشاف والمعطوف عليه قوله والذين من قبلكم . قوله : ( في صورة من يرجى منه الخ ) هذا صريح في الاستعارة فلا وجه لمن جعله حقيقة والدواعي جمع داعية أو داع لأنه لما لا يعقل والإنسان إذا