والمعنى على ارادتهم جميعا وقيل تعليل للخلق أي خلقكم لكي تتقوا
شرح
بطريق التغليب وحينئذ فلا مانع من أن ينسب إلى الجميع ما ينسب إلى بعضهم من ترجي التقوى ويتبنى هذا على التغليب والاختلاط السابق كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلا والقاتل واحد منهم ففي الكلام حينئذ تغليبان أحدهما : في اللفظ والآخر : في النسبة فإنّ التغليب كما يكون في طرفي القضية يكون في نسبتها كما صرّحوا به واجتماع تغليبين في لفظ واحد وارد في القرآن كما صرّح به في شرح التلخيص والمفتاح في قوله تعالى :جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ[ سورة الشورى ، الآية : 11 ] وهذا ليس بأبعد مما ادّعاه من غير بينة فتأمّل .
قوله : ( وقيل تعليل الخ ) في الكشاف لعلّ جاءت للأطماع في القرآن من كريم رحيم إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه وهو معنى ما قيل من أنها بمعنى كي لأنها لا تكون بمعنى كي حقيقة وأيضا فمن ديدن الملوك وعادتهم أن يقتصروا في مواعيدهم المنجزة على عسى ولعلّ ونحوهما أو يخيلوا إخالة رمزة وابتسامة ، فإذا عثر على شيء من ذلك لم يبق شك في النجاح والفوز بالمطلوب وعلى هذا ورد كلام مالك الملوك ذي الكبرياء أو جاء على طريق الإطماع لئلا يتكل العباد كقوله تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ[ سورة التحريم ، الآية : 8 ] والأطماع إيقاع الغير في الطمع والطمع كما قاله الراغب نزوع النفس إلى الشيء فهو توجيه فيما له ترجي المخاطب وهو الذي أراده فإنّ معاني الألفاظ كما تكون بالنسبة إلى المتكلم تكون بالنسبة للمخاطب وغيره حقيقة فهو معنى حقيقيّ أيضا للعلّ وإليه أشار الشريف في شرحه ، وهو معنى قول الراغب الطمع والإشفاق لا يصح على اللّه ولعلّ وإن كان طمعا فإنه يقتضي في كلامهم أن يكون تارة طمع المخاطب وتارة طمع غيره وتحقيق هذا المقام ، وتطبيق مفاصل كلام العلامة من مزالّ الإقدام التي خبط فيها شراحه ، والحق الحقيق بالقبول ما تلخص من كلام بعض الفحول ، وهو أنه أراد أنها للتحقيق إلا أنه أبرز في صورة الأطماع وترجية الغير إمّا لإظهار أنه لا فرق بين أطماعه في شيء وبين جزمه بإعطائه لاقتضاء كرمه ذلك أو لسلوك طريق الملوك في إظهار الكبرياء وقلة الاعتداد بالأشياء أو للتنبيه على أنّ حق العباد أن لا يتكلوا على العبادة بل يقفوا بين الخوف والرجاء ، ولما ذهب ابن الأنباريّ وغيره إلى أنّ لعل تجيء بمعنى كي حتى حملوها عليه في كل موضع امتنع فيه الترجي سواء كان إطماعا أو لا أشار إلى توجيه ما قالوه بأنهم لم يريدوا أنها بمعنى كي حقيقة لأنّ أهل اللغة يعدّوه من معانيها ولذا لم تقع في موضعها في نحو دخلت على المريض كي أعوده ولا يقول به أحد فالمراد أنّ ما بعدها ، إذا صدر من كريم على سبيل الأطماع سيلحق عقب ما قبلها تحقق الغاية عقيب ما هي سبب له فكأنها بمعنى كي ولا يجري هذا إلا في الإطماعية دون غيرها . وقيل مقصوده الردّ عليهم مشيرا لمنشأ توهمهم وفيه أنه توهم عامّ منشؤه خاص وقد ارتضاه بعضهم ونزل عليه كلام المصنف رحمه اللّه والظاهر ما ارتضاه قدّس سرّه ، وما قيل من أنّ من فسرها بكي لا يدّعي أنها حقيقة