تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
كأنه قال اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين لجوار اللّه سبحانه وتعالى نبيه به على أنّ التقوى منتهى درجات السالكين وهو التبري من كل شيء سوى اللّه سبحانه وتعالى إلى اللّه وأنّ العابد ينبغي أن لا يغترّ بعبادته ويكون ذا خوف ورجاء كما قال سبحانه وتعالى :
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً
[ سورة السجدة ، الآية : 16 ]
يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ
[ سورة الإسراء ، الآية : 57 ] أو من مفعول
شرح
فيهوّنه القطع وإن كان بينهما اتصال معنويّ ويدفعه بالكلية جعله مبتدأ خبره جملة فلا تجعلوا الخ ولا يخفى ما فيه من التكلف والردّ بما تداركه من قوله صفة بحسب المعنى مع عدم تعين القطع وبناء الوجه الراجح على مرجوح عنده . كله لا يدفع الترجيح بل يؤيده وقيل في الجواب عنه أيضا أن قوله راجين الخ جواب عما أورد من أنه لا طائل تحته لأنه إذا حملت التقوى على معناها الثالث وهو التبري عما سوى اللّه المقتضي للفوز بالهدى عاجلا وبالقرب فيه آجلا ففيه طائل وأيّ طائل وهو أقرب مما قبله فتدبر . قوله : ( أن تنخرطوا لخ ) الانخراط بمعنى النظم كما يشهد له اقترانه بالسلك وهو الخيط الذي تنظم فيه الدرر وما ضاهاها وقع في كلام كثير من العلماء والأدباء كالزمخشري والحريريّ والسكاكيّ وغيرهم ، إلا أني لم أره في كلام العرب بهذا المعنى ونظرت في كتب اللغة التي بأيدي الناس فلم أر في شيء منها تفسيره بما ذكر ، والذي أراه في توجيهه أنه من الخريطة وهي الكيس فإنه يقال أخرطت الخريطة كما في المحيط الصاحبيّ من كتب اللغة فيكون على ضرب من التسامح فيه بجعل جمع الكيس كجمع العقد وهو قريب جدّا والاستيجاب المراد به الاستحقاق بفضله تعالى وضمن التبري معنى الفرار فعداه بإلى وهو ظاهر وقوله المستوجبين بصيغة الجمع صفة للمتقين أو بدل منه بمعنى المستحقين وبصيغة التثنية صفة للهدى والفلاح بمعنى المقتضيين لما ذكر ، والهدى في الدنيا والفلاح في الآخرة . قوله : ( نبه به ) أي بما ذكر أو بالحال لأنها تذكر وتؤنث وأشار بقوله نبه إلى أنه ليس من منطوق اللفظ بل من إيمانه فإنه غير مخصوص بهؤلاء سواء عمّ الخطاب أو خص لكن التعبير بالترجي في حق الجميع يومئ إلى أنها رتبة عظيمة لأنّ طالب الحق لا يزال يترقى من حال إلى آخر ، ويسمى ذلك سيرا والسلوك معناه في اللغة مطلق الدخول ثم خص عند الصوفية بالدخول في طريق موصل للحق والسالك عندهم هو السائر إلى اللّه المتوسط بين المريد والمنتهى ما دام في السير وفسر التقوى بما ذكر وهو من مراتبها السابقة وقوله وأنّ العابد الخ هذا لما نظرا إلى ظاهر الترجي لأنه يستعمل فيما يحتمل الوقوع وعدمه فكل مترج خائف مما يؤدّي إلى سخطه تعالى ، ويحتمل أنه إشارة إلى حمل التقوى على معناه الأول الذي به يتقي العذاب فلا يتجه عليه شيء ، ولا يرد ما قيل من أنّ المفهوم من لعلّ الرجاء دون الخوف إذ المراد خوف عدم حصول المرجوّ من التقوى المفضي إلى العذاب فينطبق حينئذ على ما استشهد به من قوله تعالى :يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ[ سورة الإسراء ، الآية : 57 ] ويؤيده كون لعلّ يدلّ على الإشفاق أيضا وفي احتماله ما يومئ لما ذكر لمن تدبر . قوله : ( أو من