تيما الثاني بين الأوّل وما أضيف إليه
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
حال من الضمير في اعبدوا
شرح
جرير قبيلته لما بلغه عنه أنه أراد هجاءه وقال لهم لا تتركوا عمر أن يهجوني فيصيبكم شرّي بأن أهجوكم بسببه ، ويجوز في تيم الأوّل الضم والفتح والثاني مفتوح فقط وما ذكر هنا بناء على أنّ تيم الأوّل مضاف لعديّ والثاني مقحم بينهما للتأكيد وفيه وجوه أخر مفصلة في باب المنادى وشبه الإقحام بين الصلة والموصول ببين المضاف والمضاف إليه ووجه الشبه ظاهر . قوله :
( حال من الضمير في اعبدوا الخ ) رجح هذا الوجه المصنف تبعا لكثير من المفسرين وخالف الزمخشري في ترجيحه الوجه الآتي بيانه وتقريره ، واعلم أنّ لعلّ موضوعة للترجي وهو الطمع في حصول أمر محبوب ممكن الوقوع والإشفاق وهو توقع مخوف ممكن والمشهور تقابل الترجي والإشفاق فتكون مشتركة بينهما لكن المحقق الرضي ذكر أنّ في لعلّ معنى ترجيت والترجي ارتقاب شيء لا وثوق بحصوله ويدخل في الارتقاب الطمع والإشفاق فالطمع ارتقاب أمر محبوب والإشفاق ارتكاب أمر مكروه ، والترجي أعمّ من الطلب وقيل بالعكس والذي ارتضاه النحاة في شرح التلخيص أنّ الترجي ليس بطلب وما ذكر هو معناه الحقيقيّ وقد تخرج إلى معان أخر ، واختلف في لعلّ الواقعة في كلامه تعالى فقيل ليست على حقيقتها بل هي للتعليل وسيأتي ما فيه وقيل لتحقيق مضمون ما بعدها ولا يطرد لورود نحو لعلة يتذكر أو يخشى والذي ارتضاه سيبويه وبعض النحاة أنها على حقيقتها والرجاء والإشفاق يتعلق بالمخاطبين لأنّ الأصل أن لا يخرج عن الحقيقة بغير داع وهذا هو الذي اختاره المصنف رحمه اللّه إلا أنّ الرجاء لما كان غير لائق به تعالى صرفه إلى المخاطبين بناء على أنّ معاني الألفاظ تكون بالنظر إلى المتكلم وبالنظر إلى المخاطب وإلى غيرهما والظاهر أنّ الثاني مجاز لكنه أقرب إلى الحقيقة لبقائها في الجملة فإن قلنا إنه حقيقة فلا كلام في ترجيحه وجعله حالا من فاعل اعبدوا بتأويله براجين لأنه إنشاء ومثله لا يقع حالا بغير تأويل كما صرّح به النحاة والحال قيد لعاملها وهو الأمر فإن قلنا إنه أعمّ من الوجوب فلا إشكال وإن قلنا الأصل فيه الوجوب فيقتضي وجوب الرجاء المقيد به العبادة المأمور بها وليس بواجب فقد يمنع ويقال إنه يقتضي وجوب المقيد دون قيده وفيه كلام في الأصول ولهذا جعل ما اختاره المصنف مرجوحا وقيل إنّ فيه أيضا عدولا عن تعليقه بالأقرب إلى الأبعد وتوسطه بين العصا ولحائها فإنّالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً[ سورة البقرة ، الآية : 22 ] موصول بربكم صفة له بحسب المعنى ، وإن جعل منصوبا أو مرفوعا على المدح والتعظيم ، وأيضا لا طائل في تقييد العبادة برجاء التقوى لأن رجاء الشيء ينافي حصوله حين الرجاء بل المناسب تقييدها بنفس التقوى أي اعبدوه متقين أو عطفها عليها أي اعبدوه واتقوا ولا مساغ للحمل على رجاء ثواب التقوى لإخراجه الكلام عن سننه كما لا يخفى ، وأجيب عنه بأنه يرجح تعلقه بالأبعد أنه حينئذ حقيقة وأنه لم يقيد العبادة برجاء التقوى حتى يرد ما ذكر بل قيد باستمرار التقوى . كما يفيده المضارع ورجاء استمرار التقوى يفيد حصول التقوى على أبلغ وجه وفائدته الاحتراز عن الاغترار وأمّا الفصل المذكور