يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
[ سورة الأنبياء ، الآية : 26 ] وإنما عرفوا ذلك بإخبار من اللّه سبحانه وتعالى أو تلق من اللوح أو استنباط مما ركز في عقولهم أنّ العصمة من خواصهم أو قياس لأحد الثقلين على الآخر والسفك والسبك والسفح والشنّ أنواع من الصبّ فالسفك يقال في الدم والدمع والسبك في الجواهر المذابة والسفح في الصبّ من أعلى والشنّ في الصب عن فم القربة ونحوها وكذلك السنّ وقرىء يسفك على البناء للمفعول فيكون الراجع إلى من سواء جعل موصولا أو موصوفا محذوفا أي يسفك الدماء فيهم
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
حال مقرّرة لجهة الإشكال كقولك أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج والمعنى أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك والمقصود منه الاستفسار عما
شرح
بالاستفسار لا التعجب وليس بوارد لأنّ قوله وليس باعتراض يبين أنّ الممنوع فيه الاعتراض والاستفسار والتعجب لا ينافيه فتأمل ثم إنه ليس مشاورة لأنه تعالى غنيّ عن العالمين لكن تلك المعاملة ترشد للمشاورة لشبهها بها وكذا ترشد للإخبار بما من شأنه أن يسرّ ، فسقط الاعتراض على البشارة السابق أيضا وقوله : أو يستخلف مكان أهل الطاعة الخ الطاعة تستفاد من قوله :
ونحن نسبح بحمدك الخ كما أنّ المعصية من سفك الدم والاستكشاف طلب الكشف ، وبهر بمعنى غلب وألغاه جعله لغوا . قوله : ( وليس باعتراض على اللّه الخ ) عطف على تعجب وعلى وجه الغيبة أي طريقها في الذم وإن لم تكن غيبة حقيقية وهو حرم ومكرمون أي معصومون وقوله : وإنما عرفوا ذلك إشارة إلى ما روي عن السدّى رحمه اللّه تعالى إن اللّه تعالى لما قال لهم ذلك قالوا وما يكون من ذلك الخليفة قال يكون له ذرّية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضا . وهذا أسلم الوجوه ولذلك قدمه فإنّ اطلاعهم على ذلك من اللوح يرد عليه أن في اللوح أيضا شرف بني آدم وحكمة خلقهم فلو أخذوه منه فلم يبق شبهة وإن كان مدفوعا بأن اللّه منعهم عن النظر إلى جميع ما فيه فإنهم لا يفعلون إلا ما يؤمرون وكذا الاستنباط لا يمنع عرق الشبهة فإنه يقال : كيف أرتكز في عقولهم فإن قيل : بأن أخبرهم اللّه به أو رأوه في اللوح رجع إلى الأوّل وإن قيل : بأن خلق فيهم سبحانه علما ضروريا فإن كان بأن لا يعصم فردا ما سواهم فهو خلاف الواقع أو نوعا مطلقا وإن عصم بعض أفراده كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو المراد صح لكن لا يلائم قوله لا علم لنا إلا ما علمتنا ، مع أن غاية ما يلزم من علمهم باختصاص العصمة بهم علمهم بصدور الذنب المطلق لا خصوصية الفساد وسفك الدماء ، والمطلوب هذا دون ذاك إلا أن يقال وجه الاستنباط ما سيأتي من أنهم علموا عصمتهم ورأوا تأليف الإنسان يقتضي القوة الشهوية والغضبية المستلزمة للفساد والسفك أو أنهم علموا ذلك من تسميته خليفة لأن الخلافة تقتضي الإصلاح وقهر المستخلف عليه وهو يستلزم أن يصدر منه فسادا مّا في ذاته بمقتضى الشهوة أو في غيره من السفك ، ووجه القياس أنهم علموا حال مثلهم في التناكح والتناسل فقاسوهم عليهم وقوله والسفك الخ هو من فقه اللغة وما ذكره عن ابن فارس ، وقال المهدوي : لا يستعمل السفك إلا في الدم ، وقيل : إنّ السفك والسفح يستعملان