تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
الإلهي لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم المدبرات أمرا فمنهم سماوية ومنهم أرضية على تفصيل أثبته في كتاب الطوالع والمقول لهم الملائكة كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص وقيل ملائكة الأرض وقيل إبليس ومن كان معه في محاربة الجنّ فإن سبحانه وتعالى أسكنهم في الأرض أوّلا فأفدوا فيها فبعث عليهم إبليس في جند من الملائكة فدمّرهم وفرّقهم في الجزائر والجبال وجاعل من جعل الذي له مفعولان وهما في الأرض خليفة عمل فيهما لأنه بمعنى الاستقبال ومعتمد على مسند إليه ويجوز أن يكون بمعنى خالق والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه والهاء فيه للمبالغة والمراد به آدم عليه الصلاة والسلام لأنه كان خليفة اللّه في أرضه وكذلك كل نبي استخلفهم اللّه في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه
شرح
على تخصيص ملائكة الأرض كونهم مجعولين خليفة فيها وقوله فبعث عليهم ضمن معنى سلط فلذا تعدّى بعلى وفي نسخة إليهم . قوله : ( وجاعل من جعل الذي له مفعولان الخ ) بين معناه ومصحح عمله من كونه مستقبلا معتمدا على ما هو معروف في النحو وإذا كان بمعنى خالق فله مفعول واحد وفي الأرض ظرف متعلق به ، قيل معناه حينئذ بعدا اللتيا والتي إني جاعل خليفة من الخلائف أو خليفة بعينه كائنا في الأرض فإنّ خبر صار في الحقيقة هو الكون المقدّر العامل في الظرف ولا ريب في أنّ ذلك ليس مما يقتضيه المقام وإنما الذي يقتضيه هو الإخبار بجعل آدم خليفة فيها كما يعرب عنه جواب الملائكة فإذا قوله تعالى : خليفة مفعول ثان والظرف متعلق بجاعل قدم على المفعول الصريح للتشويق إلى ما أخر أو بمحذوف وقع حالا مما بعده لكونه نكرة وأما المفعول الأوّل فمحذوف تعويلا على القرينة الدالة عليه كما في قوله تعالى :وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً[ سورة النساء ، الآية : 5 ] ولا ريب في تحقق القرينة هنا أما إن حمل على الحذف عند وقوع المحكي فهو واضح لوقوعه في أثناء ذكر اللّه له كأنه قيل إني خالق بشرا من طين وجاعله خليفة في الأرض ، وأما إن حمل على أنه لم يحذف هناك بل في الحكاية فالقرينة جواب الملائكة ، وهذه قعقعة لا طائل تحتها كما هو دأبه فإنه على الوجه المرضي عند المحققين لا شك أنه إذا قيل للمستولي على محل إني مول عليه آخر أفاد تبديله بغيره فإن كان ذلك غير معلوما بالشخص على ما جوّز هو أن يكون المراد بالخليفة معينا فلا معنى لجعل المستخلف كائنا في الأرض بدلهم إلا استخلافه فيها وإن لم يكن معينا فقد أشاروا إلى جوابه بأنهم يعلمون أنّ العصمة من خواصهم فيطابقه الجواب من غير حذف وتقدير ولم يجر لآدم ذكر إلى الآن فهل هذا إلا تعسف . قوله : ( والخليفة من يخلف غيره الخ ) إنما جعل الهاء فيه للمبالغة لإطلاقه على الواحد المذكر فلو جعلت الهاء للتأنيث لجاز لإطلاقه على الجماعة كما يقال : فرقة باغية ، وضمير استخلفهم راجع إلى آدم ومن ذكر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا إلى كل حتى يقال : إنه جمع باعتبار المعنى ، وقوله : لأنه كان خليفة اللّه الخ أي أوّل خليفة فلذا خص هنا ، وقوله : لا لحاجة يعني ليس