بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من هذا ويعطي ذلك أو خليفة من سكن الأرض قبله أو هو وذريّته لأنهم يخلفون من قبلهم أو يخلف بعضهم بعضا وإفراد اللفظ إمّا للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه كما استغنى بذكر أبي القبيلة في قولهم مضر وهاشم أو على تأويل من يخلفكم أو خلقا يخلفكم وفائدة قوله هذا للملائكة تعليم المشاورة وتعظيم شأن المجعول بأن بشر بوجوده سكان ملكوته ولقبه بالخليفة قبل خلقه وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وجوابه وبيان أنّ الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره فإن ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شر كثير إلى غير ذلك
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها أو يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية واستكشاف عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبهتهم كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره وليس باعتراض على اللّه سبحانه وتعالى ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله سبحانه وتعالى :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا
شرح
بالخاء المعجمة والقاف وجوّز فيه أيضا الفاء وقوله بأن بشر بوجوده الخ قيل : عليه ليس هذا مقام البشارة لأنه ليس بسارّ عليهم نظرا إليهم على ما يفصح عنه قوله ونحن نسبح بحمدك وتأويله بالإخبار يأباه سببية تعظيم المجعول فتأمل وقوله : وإظهار فضله الراجح . قيل : هو أحسن من قول الزمخشري صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم لأنّ ذلك ليس من شأنهم سؤالهم إنما هو للتعجب كما سيأتي . وفيه نظر لأنه سيذكره بعينه وعلى هذه الوجوه إن كانت الملائكة ملائكة الأرض فقولهم أتجعل الخ ظاهر ، وإن كانت الجميع فالقائل إمّا هم أيضا لأن سكان الأرض مثلهم فيما ذكر أو بعضهم وأسند إلى الجميع كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلا والقائل بعضهم لأنّ ما وقع بينهم كأنه صدر من جميعهم . قوله : ( تعجب من أن يستخلف الخ ) إنما حمله على التعجب لأنّ الإنكار لا يليق بهم فصرف لما يليق وقد استدلّ به الحشوية على عدم عصمة الملائكة عليهم الصلاة والسلام فأشاروا إلى ردّه بهذا ، وقيل : كان الظاهر المطابق لما قبله أتجعل فيها خليفة من يفسد وإنما عدلوا عنه صرفا للتعجب إلى جعل المفسد في الأرض مع قطع النظر عن كونه خليفة فكأنهم قالوا إنّ أصل جعلهم في الأرض مستبعد فأنى الخلافة ولدقة هذا المعنى وذهابه على الزمخشريّ والمصنف وغيره صرفوا التعجب إلى استخلافهم ( قلت ) : ما ذكره المصنف وغيره هو معنى النظم ومقتضى ترتبه على ما قبله من غير ريبة وهو المراد على كل حال وما ذكره القائل نكتة للعدول في التعبير عن مقتضى الظاهر لا تنافيه ، وقد أشار المصنف إلى تنبهه لهذه النكتة بقوله فيما سيأتي لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلا عن استخلافه ، وقيل : أيضا إنّ هذا ينافي كونه تعليما للمشاورة لأنّ مقتضاه أن يكون الاستفسار والاستخبار مطلوبا منهم ، ويكونوا مأذونين في السؤال والجواب فيناسب مقابلتهم