تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقي أمره بغير وسط ولذلك لم يستنبىء ملكا كما قال سبحانه وتعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
[ سورة الأنعام ، الآية : 9 ] ألا ترى أنّ الأنبياء عليهم الصلاة لما فاقت قوّتهم واشتعلت قريحتهم بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار أرسل إليهم الملائكة ومن كان منهم أعلى رتبة كلمة بلا واسطة كما كلم موسى عليه السلام في الميقات ومحمدا صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج ونظير ذلك في الطبيعة أنّ العظم لما عجز عن قبول الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد جعل الباري تعالى
شرح
استخلافه تعالى كاستخلاف غيره فإنّ شأن الغير أنه إنما يستخلف لغيبة أو عجز بل لقصور المستخلف عليه كالسلطان يأمر خاصته بتبليغ أوامره للعامة ويأمرهم تارة بالذات وأخرى بالواسطة وهذه حكمة أنه لو جعل ملكا خليفة لكان رجلا وقوله بحيث يكاد زيتها الخ شبه قلوبهم بالمصباح وذواتهم بالمشكاة وما أودع فيهم من القوّة القدسية بزيت من شجرة مباركةلا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍتضيء من غير نار لشدة لمعانه ثم أوضح ذلك بالغضروف وهو مضموم الأوّل والثالث والثاني معجم وهو عضو مفرد ليس صلابة العظم لكنه أصلب من باقي الأعضاء اللينة قال الأطباء : المنفعة في خلقه أن يحسن اتصال العظام بالأعضاء اللينة بأن يتوسط بينهما فلا يكون الصلب واللين قد تركبا بلا واسطة فيتأذى اللين بالصلب خصوصا عند الضربة والسقطة والمصنف ذكر أنه لإمداده وهو أمر ظاهر ، وقوله أو هو وذرّيته الخ في جعل مضر وهاشم مما استغنى به فيه نظر . قال القرافي قد ينقل العلم الموضوع لمعين إلى ما لا يتناهى من ذرّيته كربيعة ومضر وقيس انتهى فليس من الاستغناء بل هو منقول للجملة إلا أن يقال : في الأول كان كذلك ثم غلب في الاستعمال حتى صار حقيقة وحينئذ لا يكون فيه نقل إلا بحسب التقدير ولذا قيل : بينهما فرق لأنّ مضر وهاشما اسما قبيلة بخلاف الخليفة ، ورد بأنهما من الإعلام الغالبة والتمثيل بالنظر إلى أصل الاستعمال قبل الغلبة فلا إشكال وكان المجيب لم يفهم الاعتراض فإنّ محصله أنّ علم أبي القبيلة يطلق عليهم ، وهذا ليس يعلم بل وصف ونظيره ما سيأتي من إطلاق فرعون على قومه ، واعترض عليه بأنه ليس أبا لهم فلا يطلق كإطلاق القبائل فكان ينبغي أن يقول : إنه ليس بشرط لوجود العلاقة فتأمل وفي الكشف أنه استشهاد لأنّ ما نحن فيه ليس من ذلك القبيل لأنّ آدم جاز أن يعبر به عن الكل لا وضعه الدال عليه والمعنى كما أن الاستغناء هنالك لأن أبا القبيلة أصلهم الجامع كذلك هم ورثوا الخلافة منه فخلافته الأصل الجامع اه . وقوله أو على تأويل من يخلفكم أي بلفظ عام شامل للقليل والكثير ، ويعلم من قوله السابق أعلى رتبة أنّ موسى عليه الصلاة والسلام أفضل الأنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام وقد تردّد بعضهم في تفضيله على إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويكفي لتخصيصه على سائر التوجيهات أوّليته فيها ، وعلى القول بشمول الخليفة لذرّيته يظهر قول الملائكة من يفسد بلا تأويل وعلى غيره لأنه منشؤهم وأصلهم وقوله أو خلقا يخلفكم خلق