ونظيره قوله سبحانه وتعالى :
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
[ سورة يس ، الآية : 79 ] واعلم أنّ صحة الحشر مبنية على ثلاث مقدّمات وقد برهن عليها في هاتين الآيتين أمّا الأولى فهي أنّ موادّ الأبدان قابلة للجمع والحياة وأشار إلى البرهان عليها بقوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
[ سورة البقرة ، الآية : 28 ] فإن تعاقب الافتراق والاجتماع والموت والحياة عليها يدلّ على أنها قابلة لها بذاتها وما بالذات يأبى أن يزول ويتغير وأما الثانية والثالثة فإنه عالم بها وبمواقعها قادر على جمعها واحيائها وأشار إلى وجه إثباتهما بأنه سبحانه وتعالى قادر على إبدائهم وإبداء ما هو أعظم خلقا وأعجب صنعا فكان أقدر على اعادتهم واحيائهم وأنه تعالى خلق ما خلق خلقا مستويا محكما من غير تفاوت واختلال مراعى فيه مصالحهم وسدّ حاجاتهم وذلك دليل على تناهي علمه وكمال حكمته جلت قدرته ورقت حكمته وقد سكن نافع وأبو عمرو والكسائي الهاء من نحو فهو وهو تشبيها له بعضد
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
تعداد لنعمة ثالثة نعم الناس كلهم فإن خلق آدم وإكرامه وتفضيله على ملائكته بأن أمرهم بالسجود انعام يعم ذرّيته وإذ ظرف وضع لزمان نسبة ماضية وقع فيه
شرح
اللّه علم بإيجاد العالم على هذا النظام الخاص الذي اقتضت الحكمة أكمليته فبعد تقديره في علمه الأزليّ يكون خلافه ممتنعا لئلا يلزم الجهل فهو مستحيل بالعرض لا بالذات ومثله يصح إطلاق عدم الإمكان عليه بلا تكلف فلا تغترّ بتشنيع بعضهم عليه ، وللعلماء في هذه المسألة تآليف مستقلة والكلام فيها كثير اكتفينا منه هنا بهذا القدر . قوله : ( وإزاحة لما يختلج في صدورهم الخ ) أشار بقوله يختلج إلى ضعفه لأن الاختلاج حركة ضعيفة وقوله واتصلت بما يشاكلها يعني عناصرها الأصلية لها ، وقوله تعالى :قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ[ سورة يس ، الآية : 79 ] فإنّ فيها ذكر عموم العلم لإثبات المعاد ، وقوله مبنية في نسخة مبتنية أي مترتبة عليها وهذا وجه آخر للارتباط وقوله قابلة للجمع أي على أصل من قال إنّ الإعدام تفريق الأجزاء لا إفناؤها وتعاقب الاجتماع والافتراق والموت والحياة مبنيّ على شمول الموت للعدم الأوّل فلا يرد عليه أنه لا تعاقب بينها بل تعقيب الاجتماع بالافتراق وتعقيب الحياة بالموت بدون العكس كما قيل ، وكون القبول ذاتيا هو المتبادر وأمّا احتمال اشتراطه بشيء آخر فلا دليل عليه ، وقوله : فإنه عالم يصح فيه الكسر والفتح بتقدير فهي أنه وسد الحاجة بالفتح بما يحتاجون إليه ، وفي قوله : جلت بمعنى عظمت ودقت بمعنى أنها دقيقة طباق بديعي وتسكين وهو بعد حرف العطف لغة لأنه معها يشبه كلمة واحدة مضمومة العين فيجوز تسكينها للتخفيف كما يقال : عضد وعضد وهو مطرد فيهما . قوله : ( تعداد لنعمة ثالثة الخ ) الأولى نعمة الإيجاد ولباس الحياة والثانية خلق ما في الأرض من النعم واللذات والطاعات والعبادات ، والثالثة خلق أبينا وتكريمه بما جعله هو وذريته أفضل من الملائكة وجميع المخلوقات ، وقوله : وإذ ظرف الخ المراد بالنسبة الأولى نسبة الجملة المضاف إليها