تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
هذا النسق العجيب والترتيب الأنيق كان عليما فإنّ اتقان الأفعال وأحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الأنفع لا يتصوّر إلا من حكيم عليم رحيم وإزاحة لما يختلج في صدورهم من أنّ الأبدان بعدما تبدّدت وتفتت أجزاؤها واتصلت بما يشاكلها كيف تجمع أجزاء كل بدن مرّة ثانية بحيث لا يشذ شيء منها ولا ينضم إليها ما لم يكن معها فيعاد منها كما كان
شرح
وهو أنه إن كان فعله متعدّيا فإن أفهم علما أو جهلا تعدى بالباء نحو هو أعلم به وأجهل به وعليم به وجهول به وإلا تعدّى باللام نحو أضرب لزيد وفعال لما يريد وإلا تعدّى بما يتعدّى به فعله نحو هو اصبر على النار وهو صبور على كذا وفيه نظر لأنه يقال رحيم به ولو تتبعت الكلام لوجدت ما يخالفه . قوله : ( فيه تعليل كأنه قال الخ ) الضمير في فيه ليس راجعا إلى قوله وهو بكل شيء عليم بل إلى الكلام المعلوم من السياق والمقصود بيان ارتباط هذه الجملة بما قبلها سواء كانت حالية أو معترضة تذييلية فإن نظرنا لآخر الكلام كان علة لما قبله فإنه لما أوجد هذه الأشياء العظيمة الدالة على قدرة عظيمة كاملة على أتقن الوجوه وأحسنها وأتمها كان إيجادها دليلا على علم شامل للجزئيات والكليات قبل وقوعها فإن الصانع إذا بنى بناء عظيما ونحوه لا بدّ من تصوّره قبل إيجاده ، وبهذا استدل في علم الكلام على شمول علمه لجميع المعلومات وقالوا الأفعال المتقنة تدل على علم فاعلها ، ومن تفكر في بدائع الآيات السماوية والأرضية وفي نفسه وجد دقائق حكم تدل على كمال حكمة صانعها وعلمه الكامل كما قال تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ[ سورة فصلت ، الآية : 53 ] والنتيجة تصلح بعد تقررها تعليلا للدليل والكل من مقدماته كما تقول تغير العالم لحدوثه العالم متغير لحدوثه ، ولا خفاء في مثله فلا يرد عليه ما قيل إنّ علة خلق ما خلق على هذا النمط ليس لكونه عالما بل لكونه عالما قادرا وأنه لا يصح عطف التعليل على الدعوى وإنّ بين كونه تعليلا واستدلا تنافيا وعلمه بالكنه مأخوذ من صيغة المبالغة والنمط الطريقة وكونه عالما مرّ وجهه وحكيما مأخوذ من إتقانه ورحمته من الأنفع فإن قلت كلام المصنف رحمه اللّه يقتضي أنّ نظام العالم هو الأصلح الأكمل الذي لا يمكن شيء فوقه كما قال الغزالي : ليس في الإمكان أبدع مما كان وفي الفتوحات له تفصيل قلت : أنكر العلماء هذا وقالوا إنّ اللّه قادر على أن يوجد عالما آخر أكمل من هذا وأحسن وأعظم كما هو مذهبنا ومعتزلة بغداد ذهبوا إلى وجوب الأصلح في الدين والدنيا بالنسبة إلى كل شخص ، ومعتزلة البصرة إلى وجوب الأصلح في الدين فقط والفلاسفة إلى الأصلح بالنسبة إلى الكل من حيث هو كل لنظام العالم ونحن لا نرى بشيء منها ( قلت ) : مراده أنها أصلح وأكمل بحسب ما نشاهده ونعلمه ويصل إليه فهمنا لا بمعنى أنه ليس في مقدور الباري ما هو أبدع منها كما هو رأي الفلاسفة لأنّ العقيدة أنّ كلا من مقدوراته ومعلوماته لا تتناهى كما صرّح به حجة الإسلام في عقيدته ، وأمّا ما نقل عنه فقد قيل : إنه دسيسة أو غفلة واعترض عليه وعلى المصنف بعض أرباب الحواشي وقد سمعت توجيه كلام المصنف وبه صرّح ابن الهمام في المسايرة ، وأمّا كلام الغزالي فله وجه وجيه لأنّ