هذه الأجرام العلوية أو جهات العلو وثمّ لعله لتفاوت ما بين الخلقين وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ سورة البلد ، الآية : 17 ] لا للتراخي في الوقت فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[ سورة
شرح
لا استفعال فإنّ مثله لا يخفى على مثل المصنف رحمه اللّه كما توهم وكيف يتأتى ذلك وقد قال : إنه من السواء فأشار إلى أنّ السين فيه أصلية لا زائدة ولما لم يمكن حمله على معناه الحقيقيّ لأنه من خواص الأجسام أوّله أوّلا بقصد بإرادته ، وقوله : ولا يمكن حمله أي حمل لفظ الاستواء هنا على طلب السواء أي اقتضاء تسوية وضع أجزائه لأنه من خواص الأجسام ، ومن فسره بحمله على اللّه فقدسها فتأمل ثم قال إنه قيل : إنه بمعنى استولى وإنما ضعفه لأنه يتعدّى بعلى كما مرّ وكون إلى بمعنى على كما قيل : خلاف الظاهر وبشر المذكور في البيت هو بشر بن مروان أخو عبد الملك ووزيره وكان ولاه العراق فقيل : فيه ذلك ، ومهراق بمعنى مراق أي مسفوح والهاء زائدة وكونه أوفق بأصل معناه أي طلب السواء وقيل : استوى إليه كالسهم لأنّ القصد إلى الشيء يناسب الاستواء ويترتب على القصد له فعله به التسوية لا استيلاؤه وهو ظاهر وأمر التعدية معلوم مما مرّ ، وجعل الزمخشريّ الاستواء حقيقة في الاعتدال والاستقامة ثم نقل مجازا إلى القصد المستوى من غير ميل إلى شيء آخر ثم شبه بذلك القصد الذي في الأجسام إرادته تعالى خلق السماء من غير إرادة إلى خلق شيء آخر ، واستعير لها لفظ الاستواء فهي استعارة مصرحة تبعية مترتبة على مجاز أو مجاز في المرتبة الثانية كذا قرّره القطب في شرحه وظاهر كلام المصنف يخالفه فإنه جعل الاعتدال ليس هو معناه الحقيقيّ .
قوله : ( والمراد بالسماء الخ ) فسره بالأجرام بناء على أنّ الأرض بمعناها الظاهري فإن كانت بمعنى جهة السفل يكون مقابلها بمعنى جهة العلو وقيل : عليه إنّ الجهات كيف تحدّد من علو وسفل ولم يكن سماء ولا أرض ، وأجيب بأنه يكفي في التحدّد جسم واحد محيط بالكل كريّ وكان موجودا وهو العرش على أنه كما يجعل اليوم فرضيا يمكن أن تجعل الجهات كذلك أي بأن يكون إثبات الجهات العلوية والسفلية والأيام الستة والأربعة قبل خلق السماء مبنيا على التقدير والتمثيل ومن قال : إنه لا حاجة إليه إذ المراد ما يسمى الآن بالسفل والعلو لم يعرف أنه عين التمثيل مع أنه أحوجته إليه الأيام وأمّا ما قيل : إنه لا حاجة إلى جعلها بمعنى جهات العلو بعد تفسير الاستواء بالإرادة فسترى عدم توجهه . قوله : ( وثم لعله لتفاوت ما بين الخلقين الخ ) اعلم أنّ خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها باعتبار التقدّم والتأخر وردت آيات فيه وأحاديث متعارضة ولم تزل الناس من عهد الصحابة إلى الآن تستصعب ذلك وتوفق بينها ولهم في التوفيق طرق شتى سنبينها لك بما لا مزيد عليه ونبين الحق منها مستمدين منه التوفيق فاصغ بإذن القبول لما أقول اعلم أنه تعالى قال في هذه السورة :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ[ سورة البقرة ، الآية : 29 ] وقال في سورة السجدة :أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ[ سورة فصلت ، الآية : 9 ] إلى قوله :وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها