تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو بغير وسط ودينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرّف لما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها لا على وجه الغرض فإنّ الفاعل لغرض مستكمل به بل على أنه كالغرض من حيث إنه عاقبة الفعل ومؤداه وهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة فإنه يدلّ على أنّ الكل للكل لا أنّ لكل واحد لكل
شرح
نافعة إما بالذات كالمأكول والمركوب ونحوه وما يتراءى منه خلافه فهو نافع لنا باعتبار تسببه لمنافع غيره ألا ترى السباع الضارية تهلك كثيرا من الحيوانات التي لو بقيت أهلكت الحرث والنسل والثمار والحيات تقتل بسمها الأعداء ويتخذ منها الترياق إلى غير ذلك مما إذا تأمّل العاقل عرف ذلك . قوله : ( لا على وجه الغرض الخ ) إذا ترتب على فعل أثر فذلك الأثر من حيث إنه نتيجة لذلك الفعل وثمرته يسمى فائدة ومن حيث إنه على طرف الفعل ونهايته يسمى غاية له ففائدة الفعل وغايته متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار ثم ذلك الأثر المسمى بهذين الاسمين إن كان سببا لإقدام الفاعل على ذلك الفعل يسمى بالقياس إلى الفاعل غرضا ومقصودا ، ويسمى بالقياس إلى فعله علة غائية فالغرض والعلة الغائية متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار وإن لم يكن سببا للإقدام كان فائدة وغاية فقط والغاية أعمّ من العلة الغائية إذا تمهد هذا فنقول أفعال اللّه تعالى يترتب عليها حكم ومصالح ومنافع راجعة إلى مخلوقاته وليس شيء منها غرضا له وعلة غائية لفعله واستدلوا على ذلك بوجهين أحدهما أنّ من كان فاعلا لغرض فلا بدّ أن يكون وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه وإن لم يصح أن يكون غرضا فيكون الفاعل حينئذ بفعله مستفيدا لتلك الأولوية ومستكملا بغيره تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا لا يقال إنما يلزم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل وأما إذا رجعت إلى غيره كالإحسان إلى المخلوقات فلا لأنا نقول إن كان إحسانه وعدم إحسانه إليهم متساويين بالنسبة إليه تعالى لم يصح الإحسان أن يكون غرضا وإن كان الإحسان أرجح وأولى به لزم الاستكمال ، والثاني من الوجهين أنّ غرض الفاعل لما كان سببا لإقدامه على فعله كان ذلك الفاعل ناقصا في فاعليته مستفيدا لها من غيره ولا مجال إليه كما لا يخفى بل كمال اللّه تعالى في ذاته وصفاته يقتضي الكمالية في فاعليته وأفعاله وكمالية أفعاله تقتضي أن يترتب عليها مصالح راجعة إلى عباده فتلك مصالح غايات وثمرات لا علل غائية لها واتضح بما حققناه أن ليس شيء من أفعاله عبثا أي خاليا عن الحكم والمصلحة وأن لا سبيل إلى الاستكمال والنقصان إلا سقوط عظمته وكبريائه وهذا مذهب صحيح لا تشوبه شبهة ولا تحوم حوله ريبة وما ورد في الآيات والأحاديث من تعليل أفعاله فهو محمول على هذا ، ومن قال بتعليلها بناء على شهادة ظواهرها فقد غفل عما تشهد به الأنظار الصحيحة والأفكار الدقيقة أو أراد إظهار ما يناسب أفهام العامّة ليكلم الناس على قدر عقولهم وهذا زبدة ما ارتضاه الشريف المرتضى في تعليقة له على هذه المسألة ، وكلام المصنف رحمه اللّه زبدة هذه الزبدة . قوله : ( وهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة الخ ) كذا في الكشاف يعني أنّ الأصل في كل شيء الحل وهي مسألة