تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
مجاز في القوّة النامية لأنها من طلائعها ومقدّماتها وفيما يخص الإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها كمالها وغايتها والموت بإزائها يقال على ما يقابلها في كل مرتبة قال سبحانه وتعالى :
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
[ سورة الجاثية ، الآية : 26 ] وقال
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
وقال :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ سورة الأنعام ، الآية : 122 ] وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوّة فينا أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك على الاستعارة وقرأ يعقوب ترجعون بفتح التاء في جميع القرآن
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى فإنها خلقهم أحياء قادرين مرّة بعد أخرى وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ويتمّ به معاشهم ومعنى لكم لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم
شرح
استعارة وقوله اللازمة لهذه القوّة فينا زاد فينا لأنها لا تلزم في غير الإنسان وهو حيّ واللزوم في البعض يكفي لصحة المجاز ورجع يكون لازما ومصدره الرجوع ومتعدّيا ومصدره الرجع وعلى اللغة الثانية قرئ يرجعون مجهولا وعلى الأخرى قرئ معلوما . قوله : ( بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى الخ ) الأولى هي الإحياء الأول والثاني مع ما تخلل بينهما من الموت والثانية هي المعاش والبقاء في الدنيا والآخرة أما البقاء في الدنيا فلا يكون إلا الغذاء ونحوه وهو مترتب على الخلق ومتأخر عنه وهو ظاهر وأما البقاء الأخروي فبالنظر في المخلوقات من الأنفس والآفاق والتمكن منه مع تركه فمن اتصف بالأول يخلد في النعيم ومن اتصف بالثاني يسجن سرمدا في عذاب الجحيم والخلود مترتب على البعث والجزاء متأخر عنه من غير تردّد وعبارة المصنف رحمه اللّه ناطقة بهذا وصرّح بالبقاء المطلق وأدرج في الانتفاع الانتفاع الديني والاستدلال فمن غفل عنه اعترض بأن ترتب هذه النعمة على الأولى لا يصح لأنه يقتضي التأخر ، وآخر الأولى لا يحصل إلا في الآخرة فكيف تتأخر عنه النعم الدنيوية وأيضا هذه النعمة خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم فيلزم تقدّمه على البقاء بلا مرية فيقدّم على الإحياء الثاني لتأخيره عن البقاء الأول فلا يتصوّر ترتبها على الأولى ، وأجاب بأنّ الترتب بالنظر إلى القصد دون الوجود فإن الأولى لما كانت هي المقصودة بالذات والثانية لأجلها صح اعتبار الترتيب القصدي وهو لا ينافي التقدّم الوجودي ، وقوله مرّة بعد أخرى إشارة إلى تكرر الإحياء في الآية السابقة وأغرب من هذا من قال المراد بالأرض ما يشمل أرض الجنة فصح الترتب . فإن قلت لا يستفاد من الآية الأولى إلا إحياؤهم وخلقهم دون كونهم قادرين قلت هو معلوم من دلالة الفحوى لأنهم لو لم يكن لهم قدرة لم يستحقوا الوعيد وينكر عليهم ترك السبيل الواضح . قوله : ( ومعنى لكم لأجلكم وانتفاعكم الخ ) يعني أنّ اللام للتعليل والانتفاع كما يقال دعا له وفي ضده دعا عليه والاستنفاع طلب النفع وقوله بوسط أو بغير وسط دفع لما يخطر بالبال من أن كثيرا منها ضار كالسباع والحشرات وبعضها لا فائدة له أصلا كالهوام بأنها كلها
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 171 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي