تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
إفادته والعهد الموثق ووضعه لما من شأنه أن يراعى ويتعهد كالوصية واليمين ويقال للدار من حيث إنها تراعى بالرجوع إليها والتاريخ لأنه يحفظ وهذا العهد أما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب وجوده وصدق رسوله صلى اللّه عليه وسلم وعليه أوّل قوله تعالى :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
[ سورة الأعراف ، الآية : 172 ] أو المأخوذ بالرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدّق بالمعجزات صدّقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا حكمه وإليه أشار بقوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
[ سورة
شرح
( والعهد الموثق ) قال الراغب : وثقت به اعتمدت عليه وأوثقته شددته وما يشدّ به وثاق والوثاق والميثاق عقد يؤكد بيمين والموثق الاسم منه قال تعالى :فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ[ سورة يوسف ، الآية : 66 ] أو هو مصدر أو اسم موضع الوثوق فالعهد للوصية واليمين لأنها تعهد وتحفظ وللمنزل كما ذكره الجوهري والتاريخ أي للزمان المؤرخ به كما يقال فعل على عهد فلان كذا ، والتاريخ قيل : إنه معرب ماء روز أي حساب الشهور والأيام وقيل إنه عربي وهو الأظهر إذ في الأوّل بعد ظاهر وقوله وهذا العهد أي المذكور هنا إمّا العهد المأخوذ بالعقل لأنه تعالى لما خلقه فيهم كأنه أخذ عليهم العهد ووصاهم بالنظر في دلائل التوحيد وتصديق الرسل إذ العقل كاف في ذلك ، وأمّا وجوب النظر فيه فهل يجب عقلا أو شرعا فمختلف فيه على ما تقرّر في الأصول ثم وثقه بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإظهار المعجزات فوجب الإيمان بجميعه قال الراغب : العهد المأمور بحفظه ضربان عهد مأخوذ بالعقل وعهد مأخوذ بإرسال الرسل والمأخوذ بالرسل مبنيّ على المأخوذ بالعقل ولا يصح إلا بعده ومعه وقد حملت الآية عليهما ، وقال الإمام : المراد بهذا الميثاق الحجة القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسوله فعلى هذا يلزم الدّم لأنهم نقضوا ما أبرمه اللّه تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وأودع في العقول من دلائلها وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكدا لها والناقضون على هذا الوجه جميع الكفار ، وقوله تعالى :وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْإشارة إلى آية :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَالآية فإشهادهم على أنفسهم خلق العقل فيهم وإقامة الحجج وسيأتي بيانها ، وقوله أو المأخوذ بالرسل الخ يعني المراد بالعهد ما عهد إليهم في الكتب السالفة من أنه إذا بعث إليهم صدّقوه فيكون المراد بالناقضين أهل الكتاب والمنافقون منهم ويؤيده أنّ المستهزئين بالأمثال كما روى ابن حبان أحبار اليهود ، وما نقله من أنّ العهود المذكورة في القرآن ثلاثة عهد أخذ على جميع بني آدم بالعقل والحجة كما مرّ وعهد أخذ على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتبليغ وأن لا يتفرّق مدّعاهم في التوحيد وعهد أخذ على العلماء أن لا يكتموا ما علموه هذا ليس تفسيرا للآية لأن عهد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تصح إرادته إذ لا نقض ( منهم ) بل المراد الأوّل وهو أحد الوجهين السابقين ويصح إرادة الأخير بأن يكون المراد بالعلماء علماء أهل الكتاب كاليهود وبالناقضين الكفار والمنافقين منهم ، واعلم أنه على التفسير الأوّل للعهد الظاهر أنه مجاز بأن تشبه الحجج والبراهين التي
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 160 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي