الايمان عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل والكفر تكذيب الحق وجحوده جعلوه قسما ثالثا نازلا بين منزلتي المؤمن والكافر لمشاركته كل واحد منهما في بعض الأحكام وتخصيص الإضلال بهم مرتبا على صفة الفسق يدلّ على أنه الذي أعدّهم للإضلال وأدّى بهم إلى الضلال به وذلك لأنّ كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم بالباطل صرفت وجوه أفكارهم عن حكمة المثل إلى حقارة الممثل به حتى رسخت به جهالتهم وازدادت ضلالتهم فأنكروه واستهزؤوا به وقرىء يضل على البناء للمفعول والفاسقون بالرفع
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
صفة للفاسقين للذم وتقرير الفسق والنقض فسخ التركيب وأصله في طاقات الحبل واستعماله في إبطال العهد من حيث إنّ العهد يستعار له الحبل لما فيه من ربط أحد
شرح
التناكح والتوارث والدفن والصلاة عليه وغير ذلك ، وتنزيله منزلة الكافر في استحقاقه الذم والتخليد في النار وعدم قبول شهادته ، ومشاركته للمؤمن فيما ذكر وفي أصل التصديق وللكافر في عدم الطاعة وفيما ذكر وأول من أظهر المنزلة بين المنزلتين واصل بن عطاء حين اعتزل مجلس الحسن كما تقرّر في محله . قوله : ( وتخصيص الإضلال الخ ) التخصيص مأخوذ من الحصر وترتبه على الفسق من تعليقه بالمشتق كما مرّ من اقتضائه العلية المقدّمة على المعلول رتبة ومرتبا بصيغة المفعول حال من الإضلال وقيل : إنه يجوز فيه أن يكون بصيغة اسم الفاعل حالا من الفاعل المقدّر للتخصيص وهو اللّه تعالى وهو تكلف لا حاجة إليه وإن جاز والضمير في قوله على أنه للفسق وما بعده يدل على أنّ الفسق هنا بمعنى الكفر لأنه يطلق عليه كما مر وإن شاع في الكبائر حتى اختص بها عرفا ، والفاسقين منصوب على أنه مفعول يتجلى لأنه استثناء مفرّغ وأعدّ بمعنى هيأ فالفسق جعلهم مستعدين لخلق اللّه فيهم الضلال وأدّى بهم بمعنى أوصلهم إلى الضلال به أي بما ذكر من المثل وبه سقط في بعض النسخ ، وأدّى متعد بنفسه ، والمصنف رحمه اللّه عداه بالباء ففي كل من الفسق والميل سببية باعتبار كما أشار إليه بقوله لأنّ كفرهم الخ وإصرارهم بالباطل مضمن معنى تصريحهم به ولذا عداه بالباء والمعروف تعديه بعلى وقوله صرفت أنثه باعتبار الأمور المذكورة وترك قول الزمخشري إنّ إسناد يضل مجازي إلى السبب لابتنائه على الاعتزال مع ما يرد عليه من أنّ التصريح بالسبب في قوله به يأباه إلا أن يقال إنه تعالى تسبب بضربه المثل تسببا قريبا مع ما فيه مما يعلم من شرح الفاضل التفتازاني وقوله : وقرئ يضل على البناء للمفعول أي في هذا وفيما تقدّم وكذا قرئ يهدي أيضا وكان عليه أن يذكره لئلا يرد عليه ما قيل : من أنه لم يوف هذه القراءة حقها وإن قيل إنه سكت عنه لعلمه بالقرينة فتأمل . قوله : ( صفة للفاسقين ) وجوز فيه القطع وأن يكون مبتدأ خبره جملة أولئك ، ووجه تقريره للفسق أنّ الخروج عن العهدة خروج عن الإيمان وأصل معنى النقض يكون في الحبل ونقيضه الإبرام وفي الحائط ونحوه ، ونقيضه البناء وظاهر كلام الراغب أنه في العقد والعهد حقيقة فلعله ملحق بالحقيقة لشيوعه فيه ، وقد جوّز في قول الزمخشري من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد أن يكون شاع بالشين المعجمة وعين مهملة وأن يكون