ارتكابها غير مبال بها . والثالثة الجحود وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه ولا بس الكفر وما دام هو في درجة التغابي
شرح
ولا أكثرت له قالوا : ولا يستعمل إلا مع النفي كغير هنا وهذا وإن كان مستقبحا لها إلا أنه لعدم المبالاة كأنه غير مستقبح بها فلذا لم يذكره وأما ارتكابها أحيانا مع عدم المبالاة فنادر لأنّ عدم المبالاة يقتضي الاعتياد غالبا فلا يرد عليه أن ثمة درجات أخر . قوله : ( والثالثة الجحود وهو الخ ) يقال جحده حقه ولحقه جحدا وجحودا إذا أنكره ولا يكون إلا عن علم من الجاحد به كما صرح به أهل اللغة وإنكار الأمور الدينية عندنا كما قاله ابن الهمام يكون كفرا إذا علم من الدين بالضرورة أو علم المنكر ثبوته ولح في العناد فإنه يكفر لظهور أمارة التكذيب وعند الشافعية قال النووي في الروضة ليس تكفير جاحد المجمع عليه على إطلاقه بل من جحد مجمعا عليه فيه نص وهو من الأمور الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة وتحريم الخمر ونحوهما فهو كافر ، ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب ونحوه فليس بكافر ، ومن جحد مجمعا عليه ظاهرا ، لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف انتهى . فلا خلاف بيننا وبينهم في هذه المسألة فالمراد بجحدها جحد حرمتها فلا يستقبحها ولا يبالي بها ويكون ما جحده ما ذكرناه وعلى هذا يحمل كلام المصنف رحمه اللّه وتركه للعلم به ولتصريحه به سابقا في قوله يؤمنون بالغيب كما مرّ ، فما أورد على المصنف رحمه اللّه من أنّ مرتكب الكبيرة المستصوب لها ليس كافرا مطلقا غير وارد ولا حاجة لما تكلفه في دفعه فتدبر . قوله : ( فإذا شارف هذا المقام الخ ) مشارفة الشيء القرب منه وأصله من الشرف وهو المكان المرتفع فكأنه يطلع على محل عال لينظر ما يريده فيقرب منه والتخطي فعل الخطوة وهي نقل القدم والخطط جمع خطة بكسر الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة قبل هاء تأنيث المكان الذي ينزل فيه المسافر ولم ينزله أحد قبله يقال :
اختط وخط عليه إذا حظره وحدّده لنفسه ثم صار بمعنى المحلة مطلقا وجمعه خطط يكسر ثم فتح بزنة عنب ، والمقام هنا معنوي كالمنزلة والمرتبة ، والمراد به الاتصاف بما ذكر من تحليل الحرام واستحسان القبيح واستصوابه ، والربقة بكسر الراء المهملة وسكون الباء الموحدة بعدها قاف وهاء حبل فيه عروة تشدّ به البهائم والأسير ويجعل في العتق ليقاد بها فإذا خلعت أي طرحت أو قطعت لم ينقد فلذا جعل خلع الربقة وقطعها عبارة عن عدم الطاعة والانقياد كما في قول المصنف رحمه اللّه خلع ربقة الإيمان من عنقه وهو كناية أو استعارة تمثيلية أو مكنية وتخييلية عما ذكر ، فإن قلت ليس كل استصواب للكبيرة كفرا على أنه إنما يكفر الجاحد إذا جحد ما مر مما علم من الدين بالضرورة أو كان في حكمه لا إذا شارف الجحود فكلام المصنف رحمه اللّه غير صواب والصواب ترك المشارفة . قلت هذا مما يلوح في بادي النظر فإذا وقفت على مراد المصنف رحمه اللّه عرفت اندفاعه فإن أردت تحقيق ذلك فاصخ لما يتلى عليك واعلم أنّ المشار إليه بهذا المقام هو مقام الجحد لما علم من الدين بالضرورة وما يقوم