وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
أي الخارجين عن حدّ الايمان كقوله تعالى :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ
[ سورة التوبة ، الآية : 67 ] من قولهم فسقت الرطبة عن قشرها إذا خرجت وأصل الفسق الخروج عن القصد قال رؤبة :
شرح
الضلال وكون ما في القرآن سببا للضلال أحوج إلى البيان وقيل : لما كان سوق الكلام لبيان ضلال الكفرة كان تقديم حال المؤمنين وكونهم على الحق أدخل في تحقيق ضلالهم وأعون عليه وماذا بعد الحق إلا الضلال ، فهو جار على مقتضى الحال لكن لما كان السياق في بيان حال الكفرة بالغ في ذمهم وأطنب « 1 » في مثالبهم وهذا لم أر من تعرض له ولا يخفى ما فيه فتدبر . قوله : ( أي الخارجين عن الإيمان الخ ) قال الراغب : فسق فلان خرج عن حجر الشرع وذلك من قولهم فسق الرطب إذا خرج من قشره وهو أعم من الكفر والفسق يقع بالقليل والكثير من الذنوب لكن تعورف في الكبائر ، ويقال للكافر فاسق لخروجه عن مقتضى الفطرة والعقل قال تعالى :أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً[ سورة السجدة ، الآية : 18 ] وقال ابن الأعرابي : لم يسمع الفاسق في وصف الإنسان في كلام العرب وإنما قالوا فسقت الرطبة عن قشرها . انتهى . وفي الدرّ المصون زعم ابن الأنباري أنه لم يسمع في كلام الجاهلية ولا في شعرها فاسق ، وهذا عجيب منه وقد قال رؤبة يذهبن في نجد وغورا الخ ( أقول ) الظاهر أنه يعترض على ما ذكر بأنه كيف ينكر هذا مع وروده في الأشعار القديمة كثيرا لا سيما وقد جاء في أفصح الكلام ولذا عده عجيبا ، والعجب ممن لم يقف على المراد وحاد على طريق السداد فإن هذا مما اتفق عليه أئمة اللغة وقد عقد له ابن فارس في فقه اللغة بابا والعجب من صاحب المزهر أنه نقله عنه وتبع هنا المعرب وليس غفلة منه وإنما هو تغافل كما قيل :ليس الغبيّ بسيد في قومه * لكنّ سيدهم هو المتغابيقال ابن فارس رحمه اللّه في معرفة الألفاظ الإسلامية : كانت العرب في جاهليتها على إرث من آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكم وقوانينهم فلما جاء اللّه تعالى بالإسلام حالت أحوال ونسخت ديانات وأبطلت أمور ونقلت من اللغة ألفاظ عن مواضع إلى مواضع أخر وعد منها حتى قال : ولم يعرفوا الفسق إلا قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها فجاء الشرع بأنّ الفسق إلا فحاش في الخروج عن طاعة اللّه تعالى انتهى . وهكذا قاله غيره من أهل اللغة من غير تردّد فيه وحاصله أنه خروج الأجرام وبروز الأجسام من غير العقلاء من كون لآخر من حيز إلى حيز فنقله الشرع في الإسلام إلى خروج العقلاء من الناس عن الطاعة وشاع بعد ذلك حتى صار حقيقة عرفية لغوية ومنه بيت رؤبة فإنه ليس شاعرا جاهليا مع أنه في خروج الإبل وهي لا تعقل أيضا فلم يخرج عن الوضع ، ومما أحدثوه منه الفويسقة للفأرة والفاسقية لعمامة كانت معروفة
هامش
( 1 ) أطنب : أتى بالبلاغة في الوصف ، مدحا كان أو ذما اه قاموس .