وقال :
إن الكرام كثير في البلاد وإن * قلوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا
شرح
شدّ الرحال كناية عن السفر وشدّ الحرب منه أيضا إلا أنه صار حقيقة عرفية فيه ، وفي بعض ألفاظ هذا البيت تقديم وتأخير في الديوان لا تغير المعنى كبير تغيير . قوله : ( إن الكرام كثير في البلاد وإن الخ ) هو من قصيدة طويلة لأبي تمام مدح بها عبد العزيز الطائي من أهل حمص وأولها كما في ديوانه :يا هذه أقصري ما هذه بشر * ولا الخرائد من أترابها الأخرومنها :قالوا أتبكي على رسم فقلت لهم * من فاته العين هدّى شوقه الأثرإنّ الكرام كثير في البلاد وإن * قلوا كما غيرهم قلّ وإن كثروالا يدهمنك من دهمائهم عدد * فإنّ جلهم بل كلهم بقرإلى آخر القصيدة جعل البكاء على رسم الأحبة من الكرام ثم بنى عليه التخلص إلى المدح أو الاقتضاب منه إليه كما فصله في الكشف ومعنى البيت إنّ الكرام كثير في الدنيا باعتبار نفعهم وقيامهم مقام الكثير في الغناء والفائدة وإن كانوا قليلا بحسب العدد كما أنّ غيرهم بعكس ذلك ففيه شاهد لإطلاق الكثير على القليل لكثرتهم المعنوية وهو المراد في هذا التوجيه ، وقلّ كما في الرواية المعروفة بضم القاف وتشديد اللام اختلف فيه شراح الكشاف فقيل إنه جمع قليل ككثير ، وقيل : إنه مفرد وارتضاه ابن الصائغ فهو في الأصل مصدر قلّ يقلّ قلة وقلا كذل يذل ذلة وذلا وهذا هو الظاهر بحسب العربية ولعله على الجمعية جمع أقل كأغرّ وغر لا قليل على أنّ أصله قلل بضمتين كنذير ونذر فخفف وأدغم كما قيل : لأن قواعد الصرف تأباه فإنهم قالوا إنّ أول المثلين في كلمة إذا تحرّك يجوز إدغامه بشروط منها أن لا يكون جمعا على وزن فعل بضمتين كسرر وذلل لئلا يلتبس بفعل بضم فسكون كحمر جمع أحمر ولما كان الجواب الأخير على التنزل وتسليم القلة ظاهرا كان الشعر مناسبا له حيث وصف فيه الكرام بالقلة في أنفسهم من حيث العدد وبالكثرة من حيث المرتبة وغيرهم بالعكس ، فلا وجه لما في الانتصاف من أن الاستشهاد بهذا البيت غير مستقيم لأنّ معناه إنّ الكرام وإن كانوا قليلا فالواحد منهم كالكثير في النفع واللئام بالعكس لقبض أيديهم عن الجود إن تبعه صاحب الأنصاف ، وبقي هنا كلام في شرح الكشاف للطيبي رأينا تركه أهم من ذكره ، وقد مر ما يرشدك إلى أنّ تقديم المؤمنين في قوله تعالى :فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا[ سورة البقرة ، الآية : 26 ] الخ لشرفهم كما قيل :فقلنا له هاتيك نعمي أتمها * ولا تبتئس إن المهم المقدموإنّ تقديم الضالين بعده في قوله يضل به كثيرا الخ لمقتضى المقام فإنّ سؤالهم ناشئ من