المصدر للإشعار بالحدوث والتجدّد أو بيان للجملتين المصدّرتين بأما وتسجيل بأنّ العلم
شرح
قال : كما في أكثر النسخ المتداولة إضلال كثير وإهداء كثير وفي بعضها هدي كثير وهداية كثيرة وأورد على الأولى أنها خلاف الصواب لاتفاق أهل اللغة على أنه لا يقال أهدى من الهداية بل من الهدية فلا يصح منها الأفعال والازدواج غير مقيس وإن قلنا إنه مشاكلة وهي من المجاز ( قلت ) قال ابن عطية في غير هذه السورة قرئ يهدي بضم الياء وكسر الدال وهي ضعيفة . وقال أبو حيان : حكى الفرّاء هدي لازما بمعنى اهتدى فإذا ثبت ما حكاه لم تكن ضعيفة لأنه أدخل على اللازم همزة التعدية انتهى . والقراءة وإن كانت شاذة تثبت بها اللغة فثبت ما في بعض النسخ وإن كان غريبا نادرا وقد نقله وأقرّه في الملتقط فلا وجه لإنكاره إلا عدم الوقوف على مثله في خبايا الزوايا واعلم أنّ ما ذكر ليس جوابا في الحقيقة للاستفهام ولا للإنكار والاستحقار لأنّ جواب الأوّل إنه أراد به التذكير وإبراز المعقول في صورة المحسوس ليقرّ في الأذهان وجواب الثاني نظرا لظاهر الحال أنه جهل ناشئ من عمي البصيرة فنزل ما يؤول إليه الأمر منزلته وأوقع في موقعه وغير أسلوبه كما غير معناه ولذا جعله أبو عليّ في معنى الجواب وهذا ما وعدناك به فاعرفه . قوله : ( وضع الفعل موضع المصدر الخ ) إفادة الفعل للحدوث وهو الوجود بعد العدم من دلالته على الحدث المقارن للزمان والمراد بالتجدّد الاستمرار في المستقبل وهو ما يقال : له استمرار تجدّدي والمضارع يستعمل له كثيرا كما صرّحوا به ، ومنه علم اختيار المضارع هنا على الماضي ، ولذا قيل : المراد بالتجدّد كثرته كما يشعر به التفعل ولما كان السؤال دالا على عدم الفائدة ناسب في الردّ عليهم الدلالة على كثرة الفائدة المترتبة عليه فقط ما قيل عليه من أنه إن أريد بالتجدّد الحدوث كان تكرارا بلا فائدة وإن أريد الحصول شيئا فشيئا فليس بلازم للفعل ولا داخلا في مفهومه كما في حواشي المطوّل للشريف لأنه يفهم من خصوصية الحدث واقتضاء المقام وهو المراد ولذا عبر المصنف رحمه اللّه بالإشعار والمراد أنه عبر بالمضارع ليدلّ على أنّ الإضلال والهداية المذكورين لا يزالان يتجدّدان ما تجدّد الزمان لما مرّ وليس المراد أنه عدل إلى لفظ الفعل المضارع للإشعار بالتجدّد والحدوث لكون الفعلين المذكورين في تأويل المصدر كما في نحو تسمع بالمعيدي خير من أن تراه كما توهم تشبثا بظاهر قوله وضع موضع المصدر لأنّ المراد أنه عدل عما هو حق الجواب من الإتيان بالاسم الذي هو مصدر هنا سواء كان مرفوعا أو منصوبا وأتى بهذا الفعل بدله لما ذكر لا أنه جرّد الفعل فيه عن الدلالة على غير المعنى المصدري لأنه لو كان كذلك انسلخ عن الحدوث والتجدّد كما لا يخفى ، وقيل : إنه وضع الفعلان موضع الفعل الواقع في الاستفهام مبالغة في الدلالة على تحققهما فإنّ إرادتهما دون وقوعهما بالفعل وتجافيا عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لإيهامه تساويهما في التعلق وليس كذلك فإنّ المراد بالذات من ضرب المثل هو التذكير والاهتداء كما في قوله تعالى :وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ *وما يعقلها إلا العالمون وأمّا الإضلال فعارض وهذا مسلك آخر في العدول عن مقتضى الظاهر وهو مع تكلفه