تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه * كرعن بسبت في إناء من الورد
شرح
وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة ولكنه جرى مثا وكر عن بمعنى شربن وأصله للحيوان يدخل أكارعه حين يخوض المياه ليشرب منها بفمه ثم عمّ لكل شرب وجعل الموضع المتضمن للماء لكثرة الزهر فيه كأنه إناء من ورد والمعنى أنه يصف كثرة مياه الأمطار في طريقه وأنه أينما ذهب رأى الماء يجري فكأنه يسعى لإبله ليعرض نفسه عليها فالإبل تستحيي من ردّه فإنه سائل لا يردّ مثله نهرا لكثرة عرضه نفسه عليها فتكرع فيه بمشافر كالسبت والأرض المنبتة للأزهار كإناء من الورد ممتلئ ماء وقال أبو الفضل العروضيّ في شرحه للمتنبي : ما أصنع برجل ادّعى أنه قرأ على المتنبي ، ثم يروي هذه الرواية ويفسر هذا التفسير وقد صحت روايتنا عن جماعة منهم الخوارزميّ والشعوانيّ وغير ما إذا ما استجبن بجيم وباء موحدة استفعال من الإجابة وكر عن بشيب بشين مكسورة ومثناة تحتية ساكنة وباء موحدة والاستجابة بالغرض أشبه والمعنى أنّ هذا يعرض نفسه وذاك يجيب والكرع بشيب أن تشرب الإبل الماء فتصوّت مشافرها وشيب شيب اسم صوت في شربها كما في قول ذي الرمة :تداعين باسم الشيب في متثلموقال الواحدي : ليس ما قاله ابن جني ببعيد عن الصواب والكرع في الماء بالسبت أحسن لأنّ مشفر الإبل يشبه في صحته ولينه بالجلود المدبوغة بالقرظ كما في قول طرفة :وخدّ كقرطاس الشآمي ومشفر * كسبت اليماني قدّه لم يجرّديقول تكرع فيه بمشافرها التي هي كالسبت وهو صحيح وشيب في حكاية صوت الإبل عند الشرب صحيح لكن لا يقال كرعت الإبل في الماء بشيب إذا شربته فالسبت هنا أولى انتهى ( قلت ) إذا جاء نهر اللّه بطل نهر معقل فإنّ ابن جني وناهيك به يروي ديوان المتنبي عنه وقد وافقت الرواية هنا الدراية فالحق ما قاله كما أشار إليه الإمام الواحدي ولذا رجحه العلامة ونظر به من غير نظر إلى الرواية الأخرى التي عليها لا يكون نظيرا بوجه والتنظير باستعماله الاستحياء حيث لا يتصوّر معناه الحقيقي لإسناده إلى الإبل وإليه أشار المصنف رحمه اللّه بقوله يصف إبلا فلا يرد عليه أنّ اللازم هنا عكس ما في القرآن فإن الاستحياء ثمة من الفعل ولازمه الترك وهنا من الترك ولازمه الفعل أي شرب الماء كما قيل : مع أنه يصح أن يراد باستحين تركن الانصراف عنه واستحين فيه كقراءة من قرأ يستحي بحاء مكسورة وياء ساكنة كما روي عن ابن كثير وهي لغة تميم وبكر كما فصل وجهه في اللغة والتصريف فنقلت فيه حركة الياء الأولى إلى الحاء الساكنة فالتقى ياآن ساكنان فحذفت أولاهما واسم الفاعل منه مستح والجمع مستحون ومستحين وبقي في البيت أمور أخر لطائف أدبية تركناها خوف الملل . قوله : ( وإنما عدل به عن الترك الخ ) أي عدل عن الترك الدالّ على المراد بالصراحة والمطابقة إلى ما ذكر من الاستحياء المحتاج للتوجيه لأنه استعارة وتمثيل وهي تدلّ على إثبات الشيء ببينة وتقرير مع ما فيه من