تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
يردّهما صفرا حتى يضع فيهما حبرا » فالمراد به الترك اللازم للانقباض كما أنّ المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما ونظيره قول من يصف إبلا :
شرح
حياء له ولا يكون مذمة إلا إذا كان عما من شأنه الحياء فهو كمال له وسلبه عنه نقص وفي العرف لا يسلب الحياء إلا عمن هو من شأنه فلذا احتاج للتأويل بخلاف ما في الآيات الأخر ، وأيضا هو مقيد يرجع نفيه إلى القيد فأفاد ثبوت أصل الفعل أو إمكانه لا أقل فاحتاج إلى التأويل كما إذا قيل لم يلذ ذكرا ولم يأخذه نوم في هذه الليلة ، وليس بعرض قارّ الذات . قوله : ( فالمراد به الترك اللازم للانقباض الخ ) إشارة إلى ما مرّ من أنّ الانقباض النفسانيّ والتغير مما لا يحوم حول حظائر قدسه فلا بدّ من تأويله والتجوّز فيه بما يصح نسبته إليه تعالى كما في غيره من أمثاله ، فأوّل بما ذكر وقوله في الانتصاف أنّ كلام الزمخشريّ يدلّ على أنّ التأويل إنما يحتاج إليه في الحديث دون الآية وهم يعرفه من عنده إنصاف لأنّ قوله وكذلك معنى قوله إنّ اللّه لا يستحيي الخ ينادي على خلافه ولكن لكل جواد كبوة والعجب من بعض الناس إذ قال إنه أوجه وقوله اللازم يقتضي أنه مجاز مرسل لاستعماله في لازم معناه كالرحمة والغضب وقوله سابقا ترك من يستحيي ولاحقا لما فيه من التمثيل يقتضي أنه استعارة تبعية سواء كانت تمثيلية أولا كما مرّ تحقيقه ويدفع إن لم يقل بجواز الأمرين عنده وأنّ هذا إشارة له بأنه ليس مجازا عن مطلق الترك حتى يكون كذلك بل عن ترك ناشئ من الاستحياء فيشبه تركه تعالى لها لحقارتها بترك العظيم سفساف الأمور استنكافا عنها كترك المشي في السوق وأطلق اسم المشبه به على المشبه ، وذكره اللازم لأنّ كل مجاز مرسلا كان أو استعارة ينتقل فيه من الملزوم إلى اللازم غايته أن يكون اللزوم في الاستعارة بطريق التشبيه مبالغة لادعائه أنه منه فلذا اختاروه هنا وما قيل من أنّ هذا تكلف لأنّ الحياء ليس معناه حقيقة الترك حتى يشبه به تركه تعالى تخييب العبد الخ خبط غنيّ عن البيان . قوله : ( ونظيره قول من يصف الخ ) هو من قصيدة للمتنبي مدح بها ابن العميد أوّلها :نسيت وما أنسى عتابا على الصدّ * ولا خفرا زادت به حمرة الخدّومنها :كفانا الربيع العيس من بركاته * فجاءته لم تسمع حداء سوى الرعدإذا ما استحين الماء يعرض نفسه * كرعن بسبت في إناء من الوردوما ذكره المصنف رحمه اللّه تبعا للزمخشري بناء على ما رواه ابن جني في شرحه من أنه استحيز بمهملتين من الاستحياء ، وبسبت في هذه الرواية بسين مهملة مكسورة وباء موحدة ساكنة ومثناة فوقية وهو الجلد النقيّ المدبوغ ومنه النعال السبتية ، واستعير هنا المشافر الإبل لنقائها ولينها قال يقول إذا مرّت هذه الإبل بالمياه والغدران التي غادرتها السيول لكثرتها صارت كأنها تعرض نفسها على الإبل فتشرب منها وكأنها مستحيية منها لكثرة ما تعرض نفسها عليها