فإنه انكسار يعتري القوّة الحيوانية فيردّها عن أفعالها فقيل حي الرجل كما قيل نسي وحشي
شرح
وخطا بوزن تمرة ، ولم يعلّ لئلا يلتبس بحية واحدة الحيات وهو خطأ منه غرّة فيه ما وقع في القاموس فإنّ هذه اللفظة لم تثبت إلا شذوذا فلا وجه لجعلها أصلا وإن لم نقل باختصاصها بالعلم وفي تصريف ابن عصفور المسمى بالممتنع كون العين ياء واللام واوا نحو حيوت لا يحفظ في كلامهم في اسم ولا فعل فأمّا الحيوان وحيوة فشاذان والأصل فيهما حييان وحية فأبدلوا من إحدى الياءين واوا وزعم المازنيّ أنّ هذا مما جاء عينه ياء ولامه واوا وهو فاسد إلى آخر ما فصله . قوله : ( فإنه انكسار يعتري الخ ) هذا مما لم يتعرّض أحد من شرّاح الكتابين لإماطة لثام الخفاء عنه وها أنا أفيدك ما به شفاء الصدور فأقول تحقيقه أنّ أبنية الأفعال وصيغها لها معان كما عقدوا لها بابا في مفصلات العربية وأصلها أن تكون لوجود مأخذ الاشتقاق والمعنى المصدري في الفاعل وقد تجيء لغير ذلك كما في رأسه وجلده إذا أصاب رأسه وجلده وللإزالة كما في قشره إذا أزال قشره وللأخذ منه نحو ثلثه إذا أخذ ثلثه وقد تكون لإصابة آفة بأصله سواء كان معنى أو عينا وإن خصه في التسهيل بالثاني كنسي إذا اعتلّ نساء وهذا معنى مستقلّ ويجوز إرجاعه للإزالة أو للإصابة أو الأخذ منه لأنه ينقص بنقص قوّته ، ويؤيد الأوّل تمثيله له في الكشاف بقوله هلك فلان حياء كما يؤيد الأخير قوله منتقض الحياة إذا عرفت هذا فقوله انكسار الخ يعني به أنّ الحياة يتبعها قوى نفسانية كالإحساس ونحوه فإذا استحيا إنسان كانت قواه المحركة له لانقباضها منكسرة عما يريده ، ولهذا أشار العلامة الكرمانيّ في شرح البخاريّ فقال الحياء الخوف من الحياة خوف المذمّة وقال الواحديّ : قال أهل اللغة الاستحياء الحياة لأنّ استحياء الرجل من قوّة الحياة فيه لشدّة علمه بمواقع الذمّ والعيب والحياة من قوّة الحس وهو عكس ما قاله الزمخشري : ولقد أجاد المصنف رحمه اللّه في صنيعه حيث فسر الحياء أوّلا ثم أتى في بيان اشتقاقه ما فسره به الزمخشريّ تتميما للفائدة وإيماء إلى تحادهما والانكسار إمّا مطاوع انكسر بالمعنى المشهور أو بمعنى الرجوع والانهزام فإنه شاع بهذا المعنى كما قال بعض المتأخرين :لقد كسر الشتاء قدوم ورد * فإنّ الورد شوكته قويةوهذا من المتن الإلهية والفوائد التي لا يعثر بها نظرك في غير هذا الكتاب . قوله : ( وإذا وصف به الباري الخ ) في شرح التأويلات للسمرقنديّ اختلف أهل الكلام في إضافة الحياء إلى اللّه تعالى فقال قوم بجوازه لوروده في الآية والحديث لأنه قد يحمد منه ما لا يحمد من الشاهد كالكبر والحياء محمود فهو أحق بالإطلاق وقيل لا يجوز لأنه انقباض القلب وانزواؤه لما يسوءه أو لخوف العجز وهو محال في حقه تعالى فلا يجوز إلا بتأويل كما سيأتي ، ولما كان في الآية منفيا عنه وهو لا يقتضي اتصافه به ظاهرا أتى بالحديث الصريح فيه فقال كما جاء في الحديث الخ والحديث الأوّل « 1 »
هامش
( 1 ) هو المتقدم .