عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه فإنّ المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم لأنّ من طبعه الميل إلى الحسّ وحبّ المحاكاة ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم وإن كان الممثل أعظم من كل عظيم كما مثل في الإنجيل غلّ الصدر بالنخالة والقلوب القاسية بالحصاة ومخاطبة السفهاء
شرح
المحسوسات فهي تابعة للحس فإذا حكمت على المحسوسات كأن حكمها صحيحا وإذا حكمت على غير المحسوسات بأحكامها كان كاذبا والنفس منجذبة إلى الوهم والحس لسبقهما إليها فهي مسخرة لهما حتى إنّ أحكام الوهميات ربما لم تتميز عندها من الأوّليات لولا دافع من العقل أو الشرع والمراد بمساعدة الوهم للعقل أنّ العقل وهو قوّة للنفس بها تدرك المعاني والكليات سواء كانت محسوسة الجزئيات أولا إذا ذكر معنى أدركه وضرب له الوهم مثلا بجزئي يحكيه وشبهه به فقد ادّعى أنه من أفراده الموجودة في الخارج ، وبذلك يتخيل أنه محسوس مشاهد وأنه لابس لحلة من حلله أخذها من خزانة الوهم فتبين بذلك وثبت تحققه في نفس الأمر وهذا معنى مساعدة الوهم له ، ومعنى مصالحته له أنّ ما يدرك كل واحد منهما مغاير لما يدركه الآخر لإدراك الوهم لما ينتزع من الجزئيات المحسوسة والعقل للمعاني والكليات فبادّعاء أنّ أحدهما عين الآخر تصالحا على الاشتراك فيه عند النفس التي قضيت بذلك ، والمراد بحب المحاكاة أنها تحب محاكاة المعقول بالمحسوس أي تكثر منه فكأنها تحبه وتألفه وهذا مما لا غبار عليه ، فسقط به ما قيل من أنّ عدم مساعدة العقل إنما هو في بعض الأحكام العقلية مثل أنّ بعض الموجودات غير متحيز إذ الوهم لألفه بالمحسوسات حكم حكما تخييليا بأنّ كل موجود متحيز ، وأمّا في المعارف الممثل لها في القرآن كوهن اتخاذ أولياء من دون اللّه فليس بظاهر أن مما ينازع فيه الوهم العقل وإن سلم التنازع فتمثيله باتخاذ العنكبوت بيته لا نسلم أنه ينفي النزاع فيه فالأولى الاقتصار على أنّ المعنى الصرف له خفاء فإن مثل بالمحسوس صار ظاهرا وارتفعت عنه الشبهة . قوله : ( كما مثل في الإنجيل الخ ) تمثيل لوقوعه في الكتب السماوية لا لدفع الإنكار كما قيل في قول الزمخشري والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل لما أورد عليه من أن المنكرين إذ ذاك يهود أو مشركون وهم لا يعتقدون حقيقة الإنجيل وإن قيل : في دفعه ما قيل ، وما ذكر إشارة إلى ما في الإنجيل من قوله لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغلّ في صدوركم ، وقوله قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الريح وقوله : لا تثيروا الزنابير فتلدغكم أي لا تخالطوا السفهاء فيشتموكم كذا أورده في التفسير الكبير ، وقوله : غل الصدر أصل الغلّ الحقد على الناس ، والمراد به هنا ما يخفيه المرء مما لا يجب الاطلاع عليه ، والمراد أنهم يقولون ما لا يفعلون وهو تشبيه لطيف وجهه إخراج الدقيق وإبقاء النخالة فهو كحفظ ما لا ينبغي حفظه ،