تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وأيضا لما أرشدهم إلى ما يدلّ على أنّ المتحدّي به وحي منزل ورتب عليه وعيد من كفر به ووعد من آمن به بعد ظهور أمر مشرع في جواب ما طعنوا به فيه فقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا
شرح
هو لتقوية المتحدّي به وتأييد ما يزيل الريب عن المنزل لأنه لما ذكر الذباب والعنكبوت ضحكت اليهود وقالوا هذا لا يشبه كلام اللّه ، وعلى الأوّل هو مربوط بما ذكر من أوّل السورة إلى هنا أو بقوله إن الذين كفروا الخ . وهو متعلق على هذا بقوله وإن كنتم في ريب الخ كأنه لما نفى توهم الريب فيه عقبه بذكر بعض ما أوقعهم في غيهم وغيابة ريبهم وقيل : إنه ذكر وجهين الأوّل منهما مبني على أنها مربوطة بقصة المنافقين وتمثيلهم تارة بمستوقد نار وتارة بأصحاب صيب جيء به لبيان حسن مطلق التمثيل الداخل فيه تمثيل المنافقين بما ذكر دخولا أوليا ، والثاني على أنها مرتبطة بآية التحدّي بالقرآن ذكرت لذيّ الطعن فيه بعد ثبوت إعجازه وقال الطيبيّ على هذا نظم الآية بما قبلها نظم قوله :إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ[ سورة البقرة ، الآية : 6 ] الخ في كونها جملة مستطردة كما قاله الإمام . وقيل : إنه إشارة إلى مناسبة وضع هذه الآية هنا ولم توضع في سورة العنكبوت أو الحج عقب المثل المستنكر لأنه جواب عن شبهة أو ردت على إقامة الحجة على حقية القرآن بأنه معجز فكان ذكرها هنا أنسب ، ووجهه أنه من الريب الذي هو في نهاية الاضمحلال وقد تقدّمه ما هو من باب المثل ، وفيه استطراد والاستطراد من أدق وجوه الارتباط وسيأتي بيانه ( وههنا بحث مهم ) وهو أنهم ذكروا أنّ المقصود من هذه الآية الردّ على من ارتاب بسبب ضرب اللّه العظيم الأمثال المحقرة بأنه لا ضير في ذلك فإنّ اللازم فيها إنما هو مناسبة الممثل به للممثل لا لمن أورده وحسنه ولطفه بكشف المعقولات وجلوتها على منصة المحسوسات مكسوّة بحلل للطائف ودقائق البلاغة حتى تشاهدها الفطرة الوقادة والبصيرة النقادة ، ولا غبار على هذا إنما الكلام في أنّ النظم كيف يدلّ على ما ذكره المصنف هنا فإنه مما خفي على كثير من الناس حتى أنكروه ولم نر فيه ما يشفي الغليل وتوضيحه أنهم لما قالوا أما يستحيي الرب الخ أجيبوا بنفي الاستحياء من ضرب كل مثل حقير وقليل ويفهم منه أنه لا قبح فيه ، وأمّا حسنه وعلوّ مرتبته فيفهم من نفس المثل لأن كل أحد من أهل اللسان يعرف أنّ ما شبه مورده بمضر به سار في البلدان وسائر على كل لسان للطف لفظه ومعناه وهذا لشهرته غنيّ عن التصريح به ألا ترى إلى قوله في كثرة الاغتراب :لا أستقرّ بأرض قد مررت بها * كأنني بكر معنى سار في مثلقوله : ( والحياء انقباض النفس الخ ) إشارة إلى أنّ للنفس عوارض نفسانية وهي كيفيات تعرض للنفس تبعا لانفعالات تحدث لما يرتسم في بعض قواها من المنافع والمضارّ فيوجب تغيرا في البدن ويلزمها حركة الروح والدم الصافي النير إمّا إلى خارج دفعة كما في حال الغضب الشديد أو قليلا قليلا كما في حال الفرح واللذة المعتدلين أو إلى داخل دفعة كما في الفزع الشديد أو قليلا قليلا كما في الغم الضعيف ولذا قال الحكماء : الغم جهاد فكري أو إلى داخل وخارج كما في الخجل فانقباض النفس انكفافها العارض من إدراك ما لا تريد وحينئذ