تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
يَسْتَحْيِي
أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يمثل بها لحقارتها والحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذمّ وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجراءة على القبائح
شرح
يعرض للقلب ما يهيج حرارته الغريزية والنفس تكون بمعنى الروح الحيوانيّ أو الدم الصافي في القلب وحركته لما مرّ ، فلذا يحمرّ منه الوجه ويتجوّز فيه فيطلق على أثره الخجل حتى تظرّف القائل :أبدى صنيعك تقصير الزمان ففي * خدّ الربيع طلوع الورد من خجلوفي الكشاف والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوّف ما يعاب به ويذم وتفصيل تحقيقه كما في ذريعة الشريعة للإمام الراغب أن الحياء انقباض النفس عن القبائح وهو من خصائص الإنسان يرتدع به عما تنزع إليه الشهوة من القبائح وهو مركب من جبن وعفة ولذا لا يكون المستحيي فاسقا ولا الفاسق مستحييا والمستحيي شجاعا ولذا يجمع الشعراء في المدح بين الشجاعة والحياء كقوله :يجري الحياء الغضّ في قسماتهم * في حين يجري من أكفهم الدمومتى قصد به الانقباض فهو مدح للصبيان دون المشايخ ومتى قصد به ترك القبيح فمدح لكل أحد وبالاعتبار الأوّل قيل : الحياء بالأفاضل قبيح وبالاعتبار الثاني قيل : إنّ اللّه يستحيي من ذي الشيبة في الإسلام أن يعذبه « 1 » ، وأما الخجل فحيرة النفس لفرط الحياء ويحمد في النساء والصبيان ويذمّ باتفاق من الرجال والوقاحة مذمومة بكل لسان إذ هي انسلاخ من الإنسانية وحقيقتها لجاج النفس في تعاطي القبيح واشتقاقها من حافر وقاح أي صلب ولذا قال الشاعر وأجاد :يا ليت لي من جلد وجهك رقعة * فأقدّمنها حافرا للأشهبانتهى والحاصل أنّ هنا أمورا ثلاثة حياء وخجلا ووقاحة ، ومغايرة الوقاحة لهما ظاهرة لأنها عدم الانتهاء وكف النفس عن القبائح وأما الوقاحة في قوله :وطالما قالوا ولم يكذبوا * سلاح ذي الحاجة وجه وقاحفمجاز عن الإلحاح في تحصيل المرام وليس مذموم مطلقا وإنما الكلام في الفرق بين الحياء والخجل فعلى ما ذكره الراغب رحمه اللّه هما متغايران وإن تلازما لأنّ الخجل حيرة واقعة بعد الحياء وأيضا الحياء يذمّ ويحمد من الرجال بخلاف الخجل والثلاثة ملكات وكيفيات نفسانية وإنما كان الحياء بمعنى انقباض النفس محمودا من الصبيان لأنه يدلّ على
هامش
( 1 ) أورده الهيثمي في المجمع 5 / 215 بنحوه من حديث جابر ولفظه « إن من إكرام جلال اللّه وإكرام ذي الشيبة المسلم ، والإمام العادل ، وحامل القرآن لا يغلو فيه ، ولا يجفو عنه » وقال : رواه الطبراني في الأوسط وفيه : عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجوف ، وثقة ابن حبان ودحيم ، وضعفه أبو داود وغيره ، وبقية رجاله ثقات .