يشهد له من الآيات والسنن فإن قيل الأبد أن مركبة من أجزاء متضادّة الكيفية معرضة للاستحالات المؤدّية إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنان قلت إنه سبحانه وتعالى يعيدها بحيث لا يعتورها الاستحالة بأن يجعل أجزاءها مثلا متقاومة في الكيفية متساوية في القوّة لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض كما يشاهد في بعض المعادن هذا وإنّ قياس ذلك العالم وأحواله على ما
شرح
والكفر جريمة خالصة فجزاؤه عقوبة خالصة لا يشوبها نقص ، ومعنى الأوّل والآخر ليس كما في الشاهد لأنه صفة كمال ومعناه لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء له في ذاته من غير استناد لغيره فهو واجب الوجود مستحيل العدم وبقاء الخلق ليس كذلك فلا يشبهه شيء من خلقه وعلمه تعالى لا يتناهى فيتعلق بما لا يتناهى إلى آخر ما فصله . قوله : ( فإن قيل الأبدان مركبة الخ ) لما قرّر أن الخلود بمعنى الدوام هنا كما قرّرناه لك أو رد شبهة ترد عليه ودفعها ونبه على أنها ساقطة لأنها في غاية الضعف في آخر كلامه فلا يرد عليه ما قيل : من أنه لا حاجة هنا للسؤال والجواب لابتنائه على أصل فلسفيّ غير مناسب للمقام وما ذكره إشارة إلى ما قرّره الأطباء من أن تكون البدن من رطوبة معها حرارة تؤثر فيها بالتنضيج والتغذية ودفع الفضلات فإذا دام التأثير كثر التحلل فتضعف الحرارة بنقصان مادّتها كضعف نور السراج بقلة الدهن ولا تزال كذلك حتى تفنى الرطوبة الغريزية فتنقطع الحرارة أيضا ، والمراد بالكيفيات المتضادّة الأمزجة والكيفية معروفة والضدّان أمران وجوديان متعاقبان على موضوع واحد بينهما خلاف أو غاية الخلاف والاستحالة التغير والانقلاب من شيء إلى آخر بتبدّل صورته كاستحالة الخمر خلا ، والتضادّ مؤدّ للانفكاك وهو تفرّف الأجزاء وانفكاك بعضها من بعض بانحلال ما يربطها ويكون سببا لبقائها فإذا لزم هذا كل بدن لزم عدم وجوده واستحالة بقائه وخلوده كما هو مذهب الجهمية وقوله في الجواب يعيدها بناء على أنه تعالى إذا أحياها بعد الموت أعادها بعينها لا بأمثالها على ما عرف في الكلام وقوله يعتورها أي يعرض لها ويتعاقب عليها بأن يعرض لها التغير وتبدّل الأحوال . قوله : ( بأن يجعل أجزاءها الخ ) هذا هو اعتدال المزاج الذي ذكره الأطباء ، وقالوا إنه مأخوذ من التعادل الذي هو التكافؤ لا من العدل في القسمة أي التساوي في القوى لا في المقدار قالوا لأنه قد يوجد الشيء مغلوبا في مقداره غالبا في قوّته فيمكن وجود المزاج الحاصل من المتساوي المقدار المختلف الكيفية وقيل : الذي امتنع وجوده هو المتكافئ في المقدار والكيفية معا لأنه لا يكون حينئذ غالبا قاسرا للمركب على التماسك والتقرّر فيستدعي كل التفرّق والتلاشي والميل إلى مركزه ، وقوله :
متقاومة بالقاف والميم مفاعلة من القيام ، وفي المصباح يقاومه أي يقوم مقامه وفي نسخة بدله متفاوتة بالفاء والتاء المثناة الفوقية من قولهم تفاوت الشيآن إذا اختلفا وتفاوتا في الفضل تباينا فيه تفاوتا بضم الواو كما في المصباح أيضا والنسختان متقاربتان معنى لأنّ المراد أنّ كيفيتها متباينة وقواها متساوية والقوّة كما مرّ مبدؤ التغير والتأثر من آخر في آخر .
فائدة : التفاوت تفاعل بضم العين وهي الواو مصدر بمعنى المفاعلة وفي أدب الكاتب أنه