تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وضعه للدوام كان التقييد بالتأبيد في قوله تعالى :
خالِدِينَ فِيها أَبَداً *
لغوا واستعماله حيث لا دوام كقولهم وقف مخلد يوجب اشتراكا أو مجازا والأصل ينفيهما بخلاف ما لو وضع للأعمّ منه فاستعمل فيه بذلك الاعتبار كاطلاق الجسم للإنسان مثل قوله تعالى :
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
[ سورة الأنبياء ، الآية : 34 ] لكن المراد به الدوام ههنا عند الجمهور لما
شرح
الأساس كما لا يخفى وهو في غير الإقامة مجاز وإن كان فيه معنى الثبات وقوله الأثافي بتخفيف الياء وتشديدها الأحجار التي توضع عليها القدر وسميت خوالد لأنها تبقى في الديار بعد ارتحال أهلها ، وقوله وللجزء الخ معطوف على مقول القول وهو خبر مقدّم وقوله خلد بفتحتين بزنة حسن مبتدأ مؤخر وهو القلب الذي يبقى الإنسان حيا ما دام لأنه أشرف الأعضاء الرئيسة وقوله الذي يبقى الخ وإن صدق على غيره لا يلزم إطلاقه عليه لأنّ القياس لا يجري في اللغة . قوله : ( لغوا ) قيل عليه لما كان استعماله في غيره مجازا مشهورا يكون التأبيد لدفعه ومثله كثير في كلام البلغاء فكيف يكون لغوا ، ويدفع بأنّ المراد أنه زائد على التأسيس القائل به من غير زيادة فتدبر . قوله : ( والأصل بنفيهما الخ ) أي القاعدة المقرّرة تدلّ على هذا النفي لأن المجاز والاشتراك لا يرتكب إلا بدليل لاحتياجهما للقرينة فإذا وضعه لهما على العموم يحمل عليه واستعمال العامّ في بعض أفراده من حيث إنه فرد منه لم يقصد بخصوصه ليس بمجاز كما توهمه بعضهم ولا يختص أيضا بالمتواطئ فما قيل إنه من باب استعمال الكليّ المتواطئ في واحد من جزئياته كقولك لقيت اليوم إنسانا تريد به زيدا غير صحيح وقوله كإطلاق الجسم للإنسان وفي نسخة على الإنسان فإنه باعتبار أنه جسم حقيقة وباعتبار أنه إنسان مجاز محتاج للقرينة كما تقرّر في الأصول وقوله مثل قوله :وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَهو في أكثر النسخ وسقط من بعضها وهو مثال لما نحن فيه وردّ لما في الكشاف وغيره من الاستدلال به على إرادة الدوام لتعينه للنفي لأنه لم يرد على أنه بخصوصه معناه الحقيقيّ بل على أنه عامّ أريد به خاص بقرينة كما أشار إليه بقوله لكن المراد الخ . قوله : ( عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن ) الدالة على أبدية أهل الجنة فيها وهو ردّ على الجهمية الذاهبين إلى أنّ الجنة والنار يفنيان وأهلهما بعد تمتع أهل الجنة بقدر أعمالهم وعذاب أهل النار بقدر سيئاتهم وفي تفسير السمرقنديّ الذي دعاهم إلى هذا أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأوّل والآخر والأوّلية تقدّمه على جميع المخلوقات والآخرية تأخره ولا يكون إلا بفناء ما سواه ولو بقيت الجنة وأهلها كان فيه تشبيه بين الخالق والخلق وهو محال ، ولأنه تعالى لا يخلو من أن يعلم عدد أنفاس أهل الجنة أم لا ، والثاني تجهل والأوّل لا يتحقق إلا بانتهائها وهو بعد فنائهم ولنا أنّ هذا النص وغيره دال على الخلود والتأبيد وعضده العقل لأنها دار سلام وقدس لا خوف ولا حزن لأهلها والمرء لا يهنأ بعيش يخاف زواله كما قيل :والبؤس خير من نعيم زائل
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 116 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي