قراءة أظلم على البناء للمفعول وقول أبي تمام :
هما أظلما حاليّ ثمت أجليا * ظلا ميهما عن وجه أمرد أشيب
شرح
مقام فاعل المضمن دون المضمن فيه ، وعلى تقدير صلوحه فعطف إذا أظلم على كلما أضاء مع كونهما معا جوابا للسؤال عما يصنعون في تارتي البرق ، يقتضي أنّ أظلم مسند إلى ضمير البرق كأضاء ، على معنى كلما نفعهم البرق بإضاءته اعترضوه ، وإذا ضرّهم باختفائه دهشوا ، ومبنى البلاغة على رعاية المناسبات .
وقد يجاب أيضا بأنّ بناء الفعل للمفعول من المتعدي بنفسه أكثر فالحمل عليه أولى ولا يخفى ما فيه ، وأمّا احتمال إضمار ضمير المصدر كما في قعد أي فعل القعود ففي غاية البعد مع أنه مدفوع أيضا بما ذكر ، فإن قيل إنما غير لأسلوب ولم يعتبر المناسبة لأنّ إظلام البرق غير معقول ، فيحتاج إلى أن يتجوز عن إختفائه كما مرّ ، قيل إلّا بلغية تقاوم مخالفة الأصل مع أنه لا بدّ منه في غيره أيضا .
أقول هذا ما قاله شراح الكتابين برمته لم يترك منه إلّا ما لا خير فيه .
وفيه بحث لأنه تطويل للمقدّمات من غير نتيجة ، لأنّ حاصل المدّعى إن أظلم قد يتعدّى بدليل هذه القراءة لاتفاق النحاة على أنّ المطرد بناء المجهول من المتعدّي بنفسه ، فاعترض عليه بأنّ الأفصح المستعمل لزوم أظلم ، ويجوز إبقاؤه على أصله في هذه القراءة بما ذكر فلا ينهض الدليل ، فإن قيل إنّ المعترض عدل عن الأصل قيل هو بعينه لازم للمستدل ، وأمّا كون الظرف مستقرا هنا فلغو لا احتمال له ، وتعلقه باعتبار الضرّ والنفع نظرا للام ، وعلى ليس بشيء لأنه مخصوص بفعل الدعاء كدعا له وعليه ألا ترى قولهم صلى عليه وأوقد له نار الحرب وأمثاله مما لا يحصى ، والضرّ والنفع هنا مفهوم من المنطوق من غير احتياج للتضمين أصلا ، ولذا قيل إنه مؤيد مستأنس به لا دليل فتأمّل . قوله : ( وقول أبي تمام إلخ ) أبو تمام كنيته واسمه حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس الطائي قبيلة الشامي مولدا ، وهو مع فصاحته التامة كان من كبار الأدباء والعلماء في عصره ، وديوانه مشهور شرحه الكبار ، وروى عنه الأخيار وألّف الصولي كتابا في أخباره وآثاره ، والبيت المذكور من قصيدة له مدح بها عياش بن لهيعة الحضرمي أوّلها :تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي * وليس جنيي إن عذلت بمصحبيومنها :أحاولت إرشادي فعقلي مرشدي * أم استمت تأديبي فدهري مؤدّبيهما أظلما حاليّ ثمت أجليا * ظلاميهما عن وجه أمرد أشيبإلى آخرها ، ومن أرادها فلينظر ديوانه .
وقال الإمام التبريزي : في شرح الديوان جعل أظلم متعديا وذلك قليل في الاستعمال ،