بِالْكافِرِينَ
لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط لا يخلصهم الخداع والحيل ،
شرح
لمذهب المعتزلة ، وسيأتي لهذا تتمة إن شاء اللّه تعالى . قوله : ( لا يفوتونه إلخ ) في الكشاف وإحاطة اللّه بالكافرين مجاز ، والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ، وقال أبو عليّ الفارسيّ : يجوز في محيط أن يكون بمعنى مهلك كما في قوله تعالىوَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ[ سورة البقرة ، الآية : 81 ] ويجوز أن يكون بمعنى عالم علم مجازاة ومكافأة كما في قوله تعالىوَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ[ سورة الجن ، الآية : 28 ] وهؤلاء جعلوه مجازا عن قدرته عليهم ففيه استعارة شبه اقتداره عليهم وكونهم في قبضة تصرّفه بإحاطة الجيش بالعدوّ بحيث لا يفوته ولا ينجيه منه حيلة وخداع ، ثم إنه قيل إن شبه شمول القدرة لهم بإحاطة المحيط بما أحاد به في امتناع الفوات كانت الاستعارة تبعية ، وإن شبه حاله تعالى معهم بحال المحيط مع المحاط بأن شبهت هيئة منتزعة من عدّة أمور بمثلها فهناك استعارة تمثيلية لا تصرف في مفرداتها ، إلا أنه صرّح بالعمدة منها وقدر الباقي .
ومن زعم أنها استعارة تبعية لا تنافي التمثيلية لم يصب ، وقد مرّ ردّه ، وأنّ التركيب باعتبار ما ذكر مع لوازمه ليس بأبعد من اعتبار ألفاظ منوية مقدرة فتذكر ما أسلفناه ، تكن على هدى . قوله : ( والجملة اعتراضية إلخ ) فالواو فيه اعتراضية لا عاطفة ولا حالية ، كما بيّن في كتب العربية ، والاعتراض يكون في وسط الكلام وفي آخره ، والمراد بآخره تمامه وانقطاعه حقيقة ، كآخر السور والخطب والقصائد ، لا آخر الجمل المنقطعة عما بعدها بوجه من وجوه القطع المذكور في باب الفصل والوصل ، فما نحن فيه من القسم الأوّل ، ولذا قال أبو حيان أنها دخلت بين هاتين الجملتين يجعلون أصابعهم ، ويكاد البرق ، وهما من قصة وتمثيل واحد ، فما قيل من أنّ هذا الاعتراض على مسلك الزمخشريّ واقع في آخر الكلام ، ومخالف لمختار الجمهور من تخصيصه بإثناء الكلام أو الكلامين المتصلين معنى ، ولذا عدل عنه المصنف رحمه اللّه خيال فارغ غنيّ عن الردّ ، ثم أنّ الجملة المعترضة لا بدّ من مناسبتها لما اعترضت فيه وإلّا كانت مستهجنة ، واشترط الأكثر فيها كونها مؤكدة للكلام ، وسمى الأدباء ما تمت مناسبته حشو اللوزنيج ، وضدّه حشو الأكبر ، وما نحن فيه من الأوّل لأنّ أصله واللّه محيط بهم أي بذوي الصيب ، فوضع فيه الظاهر وهو الكافرين موضع الضمير ، والمراد بالكافرين قوم غير معينين جحدوا مولاهم وعبر به إشعارا باستحقاق ذوي الصيب ذلك العذاب لكفرهم ، وفيه تتميم للمقصود من التمثيل بما يفيده من المبالغة كما في قوله تعالىمَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ[ سورة آل عمران ، الآية : 117 ] لأنّ الإهلاك عن سخط أبلغ وأشدّ كما أفاده الطيبي طيب اللّه ثراه ، ففيه تأييد للكلام الدال على اشتغالهم بما لا يفيدهم من سد الآذان حذر الموت ، وقد أحاط بهم الهلاك بما كسبت أيديهم ، وليس المراد بالكافرين المنافقين كما يوهمه قول المصنف رحمه اللّه ، لا