والموت زوال الحياة ، وقيل : عرض يضادّها لقوله سبحانه وتعالى :
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
[ سورة الملك ، الآية : 2 ] وردّ بأن الخلق بمعنى التقدير والإعدام مقدّرة
وَاللَّهُ مُحِيطٌ
شرح
وقال ابن الصائغ رحمه اللّه : ومن خطه نقلت بعدما ذكر ما قاله أبو حيان جوابه أنهما إمّا نوعان : أحدهما منصوب ، والآخر مجرور ، فهما كالمفعول معهما في قوله تعالىأَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ[ سورة سبإ ، الآية : 10 ] في أحد القولين وأمّا أنّ من الصواعق علة ليجعلون أصابعهم في آذانهم أي لمطلق الجعل ، وحذر الموت علة للفعل المعلل أي للفعل مع علته ، وهو كلام نفيس فليحفظ فإنّ هذه المسئلة لم يصرّح بها أحد من أهل العربية . قوله : ( والموت زوال الحياة إلخ ) قال المتكلمون الحياة قوّة هي مبدأ للحس والحركة ، وقيل : قوّة تتبع اعتدال النوع وتفيض عنها سائر القوى الحيوانية كما فصلوه مع ما له وعليه ، والموت زوال الحياة ومعنى زوال الصفة عدمها عما يتصف بها بالفعل ، فيكون عدم ملكة للحياة كالعمى الطارىء على البصر لا مطلق العمى ، ولا يلزم كون عدم الحياة عن الجنين عند استعداده للحياة موتا .
وعلى هذا حمل قول المعتزلة أنّ الموت فعل من اللّه أو من الملك يقتضي زوال حياة الجسم من غير جرح ، واحترز بالقيد الأخير عن القتل ، وحمل الفعل على الكيفية الصادرة مبني على أنّ المراد به الأثر الصادر عن الفاعل ، إذ لو أريد التأثير كان ذلك إماتة لا موتا ، واستدل على كون الموت وجوديا بقوله تعالىخَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ[ سورة الملك ، الآية : 2 ] فإنّ العدم لا يوصف بكونه مخلوقا ، وأجيب بأنّ المراد بالخلق التقدير أي تعيين المقدار بوجه مّا وهو حقيقة لغة كما قال :ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثم لا يفريوهو مما يوصف به المعدوم والموجود لأن العدم له مدّة ومقدار معين عنده تعالىوَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ[ سورة ، الآية : ] ولو سلم فالمراد بخلق الموت إحداث أسبابه ، فالمراد بخلق الموت والحياة خلق أسبابهما وهيأها .
وأمّا ما قيل من أنّ أعدام الملكات الطارئة مخلوقة أيضا لأن من شأنها التحقق ، فقد قيل عليه أنه إن أراد بالخلق الإيجاد لم يستقم ، إذ مجرّد التحقق لا يكفي في الإيجاد ، وإن أراد الإحداث استقام لأنه أعم من الإيجاد إلا أنه مجاز أيضا باستعمال المقيد في المطلق ، فلا يخرجه عن صرف الخلق عن ظاهره وحقيقته ، وإن كان جوابا آخر ، فللناس فيما يعشقون مذاهب : وأما ما ورد في الحديث من أنّ « الحياة فرس والموت كبش أملح » حتى ذهب بعض الظاهرية إلى أنهما جسمان فمن متشابه الحديث أو هو تمثيل محتاج للتأويل ، وما وقع في شرح مسلم من أنّ الموت عند أهل السنة عرض ، وعند المعتزلة عدم محض ليس بشيء ، وإن اغترّ به بعض أرباب الحواشي ، فاعترض على المصنف بأنه تبع صاحب الكشاف في تقريره وتقديمه