. . .
شرح
وثانيها من حيث الإبهام في الأصابع والمعهود إدخال إصبع مخصوص هو السبابة فكأنهم من فرط دهشتهم يدخلون ، أيّ إصبع كانت في آذانهم ولا يسلكون المسلك المعهود .
وثالثها في ذكر الجعل موضع الإدخال فإن جعل شيء في شيء أدل على إحاطة الثاني بالأوّل من إدخاله فيه ، وهذه دقائق لم يتنبهوا لها .
فإن قلت : هل هذا من المجاز اللغوي لتسمية الكل باسم جزئه ، أو للتجوّز في الجعل ، أو هو من المجاز العقلي بأن ينسب الجعل للأصابع وهو للأنامل .
قلت : الذي ذكروه في كتب المعاني وغيرها أنه من الأوّل إلّا أنّ للمتأخرين فيه كلاما فقال خاتمة المحققين ابن كمال في تكميل الفرائد أيضا أنهم ظنوه مجازا لغويا ، وهو مجاز عقليّ بإسناد ما للبعض إلى الكل ، لأنّ المبالغة في الاحتراز عن استماع الصاعقة لفرط الخوف إنما تكون على هذا لا على ما قالوه ، ولخفاء الفرق بين الاعتبارين قال : في شرح المفتاح في إطلاق الأصابع على الأنامل مبالغة يخلو عنها ذكر الأنامل ، والمبالغة إنما تتأتى إذا كانت الأصابع باقية على حقيقتها إذ لا مبالغة في ذكرها مرادا بها الأنامل ، كما لا مبالغة في رجل عدل إذا أوّل بعادل على ما صرّح به القوم تبعا لصاحب الدلائل ، وإرادة الأنامل من الأصابع مجاز مرسل ، وإنما المبالغة في جعل أجزاء الأصابع في الأذن ، والتجوّز في تعلق الجعل لا في متعلقه ، وهو الأصابع ثم أنّ بعض فضلاء العصر قال : فيما قرّره القوم نظر آخر لأنه قد يقال إنه لا مجاز هنا ، وذلك لأنّ نسبة بعض الأفعال إلى ذي أجزاء تنقسم ، يكفي فيها تلبسه ببعض أجزائه ، كما يقال دخلت البلد وجئت ليلة الخميس ومسحت بالمنديل ونحوه ، فمعنى نسبة الجعل في الأذن إلى الأصبع إذا تلبس ببعض منه ، وهو الأنملة صحيح حقيقة من غير احتياج إلى التجوّز في الكلمة أو الإسناد ، أو على تقدير مضاف كأنملة أصابعهم .
أقول الذي غرّه هذا قول بعض أهل المعاني أنّ المجاز المرسل لا يفيد مبالغة كالإستعارة ، وهو غير مسلم عند العلامة لتصريحهم بخلافه في مواضع من الكشاف وبه نطقت زبر المتقدّمين ، ولو لم يكن كذلك كان العدول عن الحقيقة في أمثاله عبثا لا يحوم مثله حول حمى التنزيل ، ويكفي في المبالغة تبادر الذهن إلى أنّ الكل أدخل في الأذن قبل النظر للقرينة كما لا يخفى على ذي بصيرة نقادة وفطنة وقادة ، وأمّا كون مثل دخلت البلد لمن دخل دارا منها حقيقة فليس على إطلاقه ولعل النوبة تفضي إلى تحقيقه في محل آخر ، ثم أنه قال في الكشاف : إنّ ما يسد الأذن أصبع خاصة وهي السبابة إلا أنها لما كانت فعالة من السب كان اجتنابها أولى بأدب القرآن ، ولذا كنوا عنها لاستبشاعها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدعاءة .
اه وهذا كما قال المعرّي :يشار إليك بدعاءة * ويثني على فضلك الخنصر