ولذلك لم يجمعا
يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
الضمير لأصحاب الصيب ، وهو وإن حذف لفظه ، وأقيم الصيب مقامه لكن معناه باق فيجوز أن يعوّل عليه كما عوّل حسان في قوله ؟
يسقون من ورد البريض عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل
شرح
بأن ترك جمعهما ، وإن أريد معنى الجمع والثاني أن يراد الحدثان كأنه قيل ، وإرعاد وإبراق ، وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات لأنّ المراد أنواع منها كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف ، اه . وكون الأصل في المصدر أن لا يجمع مما أتفق عليه ، ونص عليه في الكتاب سواء كان مفعولا مطلقا أو لا حتى إذا جمع على خلاف القياس كان مقصورا على السماع ، ووجهه أنه اسم وحدث والمعاني لا تتغاير إلّا باعتبار المحل بخلاف الأجسام وهو شامل للقليل ، والكثير فلا فائدة في جمعه والعدول عن مفرده المفيد لما أفاده مع أنه أخف وأخصر إلّا أن يقصد الأنواع ، ثم إذا نقل فالأكثر فيه أن يبقى على أصله ويجوز أن يعامل معاملة أسماء الأجرام ، ثم إنّ المصنف رحمه اللّه ترك ما في الكشاف من احتمال أنه مصدر باق على أصله لأنه بعيد بل لم يسمع في الكلام المداول ، وترك كون تنوينه للتنويع لما فيه من الخلل لأنه لو أريد نوع مخصوص كان المناسب تعريفه لأن النكرة لا تدل على زعمه ، وأيضا لو صح ما ذكر كان المناسب إفراد الظلمة أيضا ، وهذا من مقاصده فإنه إذا أسقط شيئا منه أشار إلى ردّه ، وهو مما ينبغي التنبه له في هذا الكتاب ، وأكثر أرباب الحواشي لا ينبه عليه ، ثم إنّ هنا نكتة سرية في أفرادهما هنا وهي أنّ الرعد كما ورد في الحديث وجرت به العادة يسوق السحاب من مكان لآخر فلو تعدّد وكثر لم يكن السحاب مطبقا فتزول شدّة ظلمته ، وكذا البرق لو كثر لمعانه لم تطبق الظلمة كما يشير إليه قولهكُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِفإفرادهما متعين هنا ، وهذا مما لمعت به بوارق الهداية في ظلمات الخواطر . قوله : ( الضمير لأصحاب إلخ ) فيه إيجاز لطيف وأصله كذوي الذي بمعنى أصحاب لأنه جمع ذو بمعنى صاحب وهو أشهر معانيه ، والبيت المذكور لحسّان بن ثابت رضي اللّه عنه من قصيدة له مشهورة في مدح آل جفنة ملوك الشام وأوّلها :أسألت رسم الدار أم لم تسأل * بين الجوابي فالنصيع فحوملومنها :للّه درّ عصابة نادمتهم * يوما بجلق في الزمان الأوّلأولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الجواد المفضليسقون من ورد البريض عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسلوهي طويلة وضمير يسقون لأولاد جفنة وبردى بفتح الموحدة ، والراء والدال المهملتين نهر بدمشق وقيل : وأدبها والبريض بالضاد المعجمة وروي بالصاد المهملة وهو الأشهر وعليه اقتصر في القاموس اسم لخليج ، وشعبة من نهر بردى وقيل إنه اسم موضع فيه أنهار كثيرة