تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩
للدلالة على إنّ الغمام مطبق آخذ بآفاق السماء كلها فإن كل أفق منها يسمى سماء كما إنّ كل طبقة منها سماء قال :
* ومن بعد أرض بيننا وسماء *
شرح
العظمة ، ولذا وصف النوع بالشدّة إلّا أنّ هذا مناف لقوله والآية تحتملهما كلام ناشئ من قلة التدبر وفيما قدّمناه لك كفاية ، وإنما رجح المصنف تفسيره بالمطر على عادة السلف في ترجيح التفسير المأثور ، وهذا كما قال السيوطي أخرجه ابن جرير من عدّة طرق عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعطاء وقتادة وغيرهم من غير اختلاف فيه . قوله : ( وتعريف السماء إلخ ) يعني أنّ السماء تطلق على السماء الدنيا ، وعلى الغمام كما تطلق على جميع طبقاتها وعلى كل ما علا من سقف ، وغره وتطلق على المطر أيضا كما في قوله إذا نزل السماء بأرض قوم . وتطلق على كل جانب من سماء الدنيا مسامت لقطر من أقطارها ، وهو المراد هنا ، والآفاق بالمدّ جمع أفق بضمتين يطلق على كل ناحية من نواحي الأرض ، ومنه آفاقي وأفقي للمسافر وعلى كل ناحية ، وجانب من السماء ومطبق بضم الميم وكسر الباء مشدّدة ومخففة بمعنى محيط وشامل ، وآخذ بالمدّ اسم فاعل بدل أو عطف بيان لمطبق من الأخذ وأصل معناه التناول ، ويكون بمعنى الإمساك كالأخذ بالخطام واللجام ، وبمعنى الحوز والتحصيل هذا هو المعنى الحقيقي ، وما يقرب منه ، ثم إنه تجوّز به عن معان أخر كالإحاطة والستر لأنه من شأن المحوز المأخوذ ، وهو المراد هنا كما في قول الفرزدق :أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا جبلاها والنجوم الطوالعفهو تعبير جيد هنا ، ثم بيّن المصنف رحمه اللّه تعريف السماء على وجه يتضمن بيان فائدتها ، ودفع السؤال ، وهو أنّ كل صيب مطرا كان أو سحابا من السماء فلا حاجة لذكره ، وإذا كان السماء بمنى الأفق وتعريفه للاستغراق أفاد فائدة سنية ، وهي أنّ السحاب محيط بجميع حواسهم وكذا المطر النازل عليهم منصبّ من كل أطرافهم ففيه مع الدلالة على قوّته تمهيد لظلمته ، وأجاد المصنف رحمه اللّه إذ عقب التنكير بالتعريف على نهج أدمج فيه ما ذكر . قوله : ( ومن بعد أرض إلخ ) هو بيت هكذا :فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها * ومن بعد أرض بنينا وسماءوهو كما في الكشاف دليل على إطلاق السماء على كل أفق من آفاقها ، وأوه وروي آه وكلاهما اسم فعل مبنيّ على الكسر بمعنى أتوجع ويوصل بمن واللام ، وقال قدّس سرّه : أي توجعت لذكر الحبيبة ومن بعد ما بيني وبينها من قطعة أرض ، وقطعة سماء تقابل تلك القطعة الأرضية فنكرهما إذ لا يتصوّر بينهما بعد جميع الأرض والسماء ، ولما صح إطلاقها على كل ناحية وأفق منها جيء بها معرّفة باللام لتفيد العموم ، وتدل على أنه غمام مطبق ، ولو نكرت لجاز أن يكون الصيب من بعض الآفاق . قلت : هكذا فسروه ، ولا يخفى أن تباعد مسافة الأرض والتفجع لها في غاية الظهور ،
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 609 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي