. . .
شرح
تقول قول المصنف مع ظلمة الليل إشارة إلى هذا ، وأمّا جعل ظلمة الليل فيه بتبعية الظلمتين الأخريين تغليبا كما قاله : قدّس سرّه ومن تبعه فتعسف لما فيه من تغليب المعنى المجازي ، وجعل المجاز على المجاز ، وظلمة الليل في كلا التمثيلين كالمصرّح بها كما أشار إليه الفاضل المحقق ألا ترى قوله استوقد نارا هل يوقد للإضاءة في غير الليل ، أما سمعت قولهم في المثل كموقد الشمع في الشمس وكذا قولهوَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُواأيكون مثله في سلطان الشمس بالنهار ، ولكونها ظلمة أصلية لا ينفك عنها الزمان لم يصرّح بها إيجازا فلا يرد عليه ما قيل من أنّ ظلمة الليل من أين تستفاد حتى يحتاج إلى الجواب بأنها من الجمع ، ومقام المبالغة فتدبر .
قوله : ( وجعله مكانا للرّعد إلخ ) إشارة إلى أنّ الظرفية فيهما مجازية بالمعنى السابق لا بمعنى آخر ، وفي الكشاف إذا كانا في أعلاه ومصبه وملتبسين في الجملة به فهما فيه ألا تراك تقول فلان في البلد ، وما هو منه إلّا في حيز يشغله جرمه ، ولشراحه فيه كلام لم يصف من الكدر والذي ارتضاه سيد المحققين أنه توجيه لظرفية المطر للرعد والبرق لعدم ظهورها ظهور ظرفية السحاب لهما بأنهما لما كانا في محل متصل به هو أعلاه ، ومصبه أي السحاب جعلا كأنهما فيه باستعارة في لملابسة شبيهة بملابسة الظرفية كما شبهت بها ملابسة الشخص للبلد ، واستعملت فيها وليس المراد بالبلد جزأه ، وقيل أراد أنّ المطر كما ينزل من أسفل السحاب ينزل من أعلاه فيشمل الفضاء الذي فيه الغيم فهما في جزء من المطر متصل بالسحاب كالشخص في جزء من البلد وهذا أقرب إلى المثال وذاك إلى عبارة الكتاب ، وقد تبع فيه الشارح المحقق ، وترك ما فيه من أنّ من الناس من ذهب إلى أنّ المراد بالبلد جزؤه ، وزعم أنّ الأعلى والمصب جزء من المطر وليس بذاك ، ومنهم من جعله من إطلاق أحد المجاورين على الآخر والأعلى والمصب سحاب والتمثيل لمجرّد التلبس ، ولمجاورة ورد بأنه يكون المعنى حينئذ في السحاب رعد وبرق لا في المطر على ما هو المطلوب .
ثم قال ردّا لما في الكشف : فإن قلت الظلمة والرعد أي الصت والبرق أي النارية واللمعان كلها أعراض ، والعرض لا يتمكن في المكان إلّا بنوع توسع من غير فرق بين المطر والسحاب ، وبين الظلمة والرعد غاية ما في الباب أنّ وجه التلبس يكون في البعض أوضح كالرعد بالنسبة إلى السحاب .
قلت : معنى الظرفية التي تفيدها في أعم من أن يكون على وجه التمكن في المكان كالجسم في الحيز أو على وجه الحلول في المحل كالعرض في الموضوع أو على وجه الاختصاص بالزمان كالضرب في وقت كذا ، وظلمة السحمة والتطبيق في السحاب حقيقة بخلاف ظلمة الليل ، وكذا تمكن الجسم الذي يقوم به صوت الرعد وبريق البرق حقيقة في السحاب لا في المطر فاحتيج للتأويل ، وما ذكره من أنّ ظرفية الزمان والمكان حقيقة تدل عليها في بالوضع مسلم عند الأدباء وأمّا كون ظرفية العرض في الموضوع كذلك فغير مسلم ،