تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
أمدّ به ما في صيب من المبالغة من جهة الأصل والبناء والتنكير ، وقيل المراد بالسماء السحاب فاللام لتعريف الماهية
فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ
إن أريد بالصيب المطر فظلماته ظلمة تكاثفه بتتابع القطر ، وظلمة غمامة مع ظلمة الليل ، وجعله مكانا للرعد والبرق لأنهما
شرح
وأمّا تباعد ما يقابلها من السماء ففي غاية البعد عن مواطن الاستعمال ، وما ذكروه معنى لا حاصل له ، فالظاهر أنّ هذا جار على ما عرف في التخاطب إذا وصفوا الشيء بغاية التباعد يقولون بينهما ما بين السماء والأرض فأصله ومن بعد كبعد أرض وسماء فأقام المشبه به مقام المشبه مبالغة ، وأمّا ما قيل من أنه إنما ذكر سماء مع أنه لا يزيد على ما أفاده بعد الأرض لأنه كما تكون موانع الوصول من الأرض تكون من السماء كشدّة البرد ، والحرّ والأمطار فبعده عن السياق بعد ما بين السماء والأرض . قوله : ( أمدّ به ما في صيب إلخ ) خبر آخر لقوله تعريف السماء ، وأمد بمعنى قوّى وأكد كما مرّ في قوله تعالى :يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْوقوله ( من المبالغة إلخ ) بيان لما في صيب لأنّ تعريفه يفيد المبالغة بإطلاقه على جميع الأقطار كما سمعته آنفا ، وصيب يفيد مبالغة بأصله أي مادّة حروفه من الصاد المستعلية ، والياء المشدّدة والباء الشديدة الدالة على شدّة نزوله ، والبناء بمعنى البنية والصيغة لأنّ فيعل صفة مشبهة مفيد للثبوت ، والدوام المستلزم للكثرة فسقط ما توهم من أنّ الثبوت لا يدل على المبالغة كما أشرنا إليه ، وتنكيره دال على التهويل والتكثير ، وقوله وقيل المراد بالسماء السحاب أشار بتمريضه إلى أنّ المرضيّ عنده تفسيره بالمطر كما مرّ ، وقوله واللام لتعريف الماهية أي على هذا ، وليس المراد بالماهية الحقيقية من حيث هي بل في ضمن فرد مّا وهو العهد الذهني ، وإنما تعين على هذا لأنه لم ينزل من جميع السحاب ولا من سحاب معين ، ولا يصح قصد الأوّل إدّعاء للمبالغة كما في جميع الآفاق لأنه لا يخفى ركاكة أن يقال نزل ليهم مطر شديد من جميع السحاب دون من جميع الآفاق والنواحي فلا حاجة إلى ما قيل من أنّ المصنف ضرب على هذا بقلمه ، وما يتوهم من أنّ المراد بالماهية ، والحقيقة ما يشمل الاستغراق حتى لا ينافي ما مرّ فخبط بما لا يخفى فساده فتأمّل ، وما قيل : من أنّ قوله من السماء يبطل ما قيل من أنّ السحاب يأخذ ماءه من البحر أو أنّ ماءه يكون من أبخرة متصاعدة من الأرض في الهواء لأنّ نزوله من جهة السماء لا ينافي شيئا مما ذكر ، ولذا تركه المصنف . قوله : ( إن أريد بالصيب المطر إلخ ) الإضافة في ظلماته لأدنى ملابسة لا بمعنى في وتكاثفه بتتابع القطر لأن تلاصق القطرات وتقاربها يقتضي قلة تخلل الهواء المنتشر المستنير ، وظلمته بسحمته وسواده لأنه لا ظلمة له في نفسه كالمطر ، وقوله مع ظلمة الليل أي منضمة إليها ولم يقل وظلمة الليل لأنها ليست في المطر بل الأمر بالعكس ، ثم إنّ الظرف بينه وبين المظروف ملابسة تامّة فاستعيرت الأداة الدالة على تلك الملابسة لمطلق الملابسة الشاملة للسببية ، والمجاورة وغيرهما فلا يتوهم أنه جمع فيه بين معنيين أو معان مجازية ، والأحسن أن يقال إنها بمعنى مع كمال في قوله تعالىادْخُلُوا فِي أُمَمٍ[ سورة الأعراف ، الآية : 38 ] فإنه أحد معانيها المذكورة في المغني وغيره ، ولك أن
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 610 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي