ومن أثر الضلالة على الهدى المجعولة له بالفطرة أو ارتدّ عن دينه بعدما آمن ، ومن صح له أحوال الإرادة فادّعى أحوال المحبة فأذهب اللّه عنه ، ما أشرق عليه من نور الإرادة أو مثل لإيمانهم من حيث أنه يعود عليهم بحقن الدماء ، وسلامة الأموال والأولاد ومشاركة
شرح
دعاهم إلى تعيينه مع قوله الهدى فينبغي أن يكون داخلا فيه لأنّ دخوله تحت الأوّل محتاج إلى التكلف فالمعنى أنّ هؤلاء ممن اشترى الضلالة بالهدى على أنه من حمل العامّ على الخاص من غير تخصيص ، كما عرفته فالتمثيل عامّ شامل للمنافقين ، وغيرهم ولا يمنعه ضمير مثلهم الراجع إليهم كما قيل لما أسلفناه ، وجعله ضربا من الهدى باعتبار الظاهر أو الابتداء كما في حال المرتدّين فلا يتوهم أنّ اقترانه بالنفاق ، ونية الخداع وتحصيل أغراضهم الفاسدة تصيره فاسدا ابتداء فلا يحصل لهم حتى يضيع ، كما قيل وقوله تقريرا مفعول له ، وتعليل لقوله ضربه إلخ وتقريره وتوضيحه يقتضي عدم عطفه لشدّة إتصاله فإن كان تقريرا لقوله ومن الناس إلخ فلأنه لما دلّ على أنهم ادّعوا الإيمان وأبطله اللّه تعالى بقولهوَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَكانوا كمن أوقد نارا فأنطفأت في الحال ، وكذا إن كان لقوله ( اشتروا ) إلخ فإنهم لما اختاروا العمى على الهدى ، وبقوا عدم الاهتداء كان هذا مثلهم فصوّر المعقول بصورة المحسوس توضيحا وتقريرا له وتصويرا له بصورة المشاهد كما قال في الكشاف لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان ، وما قيل هنا من إنّ ضمير مثلهم راجع إلى المنافقين قطعا فلا يتصوّر العموم ، وشموله لغيرهم إلّا بجعله مستفادا من دلالة النص كدلالة لا تقل لهما أفّ على النهي عن الإيذاء ، أو من إشارته ليس بشيء فإنّ المراد بالمثل الذي بمعنى الحال إضاعة الهدى ، وعدم التوصل به إلى الكمال ، وإستبطان الكفر إخفاؤه مع المؤمنين ، وقوله ومن آثر الضلالة إلخ الظاهر أنهم المنافقون لا الكفار الذين تمحض كفرهم لعطفه بالواو . قوله : ( ومن صح له أحوال الإرادة إلخ ) هذا من بعض البطون القرآنية على نهج حكماء الإسلام الإشراقيين ، وأرباب السلوك من المتصوّفة ، والأحوال في اصطلاحهم هي ميراث العمل من المواهب الفائضة من اللّه تعالى قالوا وسميت أحوالا لتحوّل العبد بها من دركات البعد إلى درجات القرب ، وقريب منه ما قيل الحال ما يرد على القلب بمحض الموهبة من غير تعمل واجتلاب كحزن وخوف وقبض ، وبسط فإذا دام سمي مقاما ، والإرادة حال المريد ، وهو السالك في لسانهم فإرادته ما يلقى في قلبه من الدواعي الجاذبة له إلى الإجابة لمنادي الحق ، فإذا حصل له هذا وهو منزل من منازل السير إلى اللّه تعالى إذا نزله أشرقت عليه أنواره فإذا ادّعى المحبة انطفأت أنواره ، ووقع في تيه الحيرة ، والمحبة عندهم هي الابتهاج بحصول كمال أو تخيل ، وصول كمال مظنون ، أو محقق والابتهاج عجب يضله عن طريق الهدى فيدخل فيمن اشترى الضلالة بالهدى لإدّعائه الوصول لمقام أعلى من مقامه ، وهو مضاه للنفاق بإظهاره ما ليس عنده وهذا مأخوذ من تفسير الراغب ، وهو محكيّ عن أبي الحسن الورّاق . قوله : ( أو مثل لإيمانهم إلخ ) هذا هو الوجه الثاني ، وهو محصل الوجوه المذكورة في الكشاف كما عرفته ، وهو