تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
شرح
اصطلاح الحكماء والمتكلمين إلى كيفية راسخة هي مبدأ التغير من آخر في آخر وقسموها إلى أنواع معروفة عندهم ، ومنها القوى النفسانية وهي محرّكة ومدركة والمدركة مدركة في الظاهر وهي مبدأ الحواس الخمس الظاهرة ، ومدركة في الباطن كالحس المشترك وهي أيضا خمس ويدخل في المحرّكة القوّة الناطقة التي هي مبدأ التكلم ، ولهذا زاد المصنف ما ذكر على ما في الكشاف لأنه قال : كأنما ايفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها للإحساس والإدراك لأنّ ما ذكره المصنف رحمه اللّه شامل للقوّة الناطقة بخلاف ما في الكشاف لخروجه عن الحواس والمشاعر ولذا ذهب شرّاحه إلى أنه عدّ آلة النطق من الحواس ، وأدخلها فيها تغليبا ، ولك أن تقول إنّ البنا بضم الباء وكسرها وهو ما بني عليه الإحساس ، والإدراك هي القوى لأنها أساس للإدراك وغيره فيكون موافقا لكلام المصنف رحمه اللّه ، وإن كان ما ذكره المصنف أظهر فهو لم يقصد الردّ عليه وإنما أوضحه وفسّره وهذا هو الحق وإن أطبق شرّاح الكشاف وأرباب الحواشي على خلافه ، فإن قلت كيف يقال إنهم أبوا أن ينطقوا بالحق ، وقد كانوا ينطقون به ، وإن لم يواطئ قلوبهم كما نطق به قوله تعالىوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّاإلخ ولذا عدّوا منافقين ، قلت قد قيل : النطق لا ينافي الإباء لأنه يجامع ارتكابه اضطرارا فيصح سلب الإنطاق مع النطق ، والأحسن أن يجعل قوله بكم بيانا لأنّ تكلمهم بالحق في حكم العدم فهم ملحقون بمن لا يقدر على النطق رأسا ، والحق أنّ الحق شامل لكل حق وهم ساكتون عن أكثره فلا حاجة لشيء مما تكلفوه . وفي إطلاق المشاعر ، والقوى تنبيه على أنّ ما ذكر من الصمم والبكم ، والعمى على سبيل الاختصار في البيان والاعتماد على تنبه السامع والمراد أنه كناية عن اختلال جميع المشاعر والقوى ، وتقديم الصمم لأنه إذا كان خلقيا يستلزم البكم وأخر العمى لأنه كما قيل هنا شامل لعمى القلب الحاصل من طرق المبصرات والحواس الظاهرة ، وهو بهذا المعنى متأخر لأنه معقول صرف ولو توسط حل بين العصا ولحائها ولو قدّم لأوهم تعلقه بلا يبصرون ، أو الترتيب على وفق حال الممثل له لأنه يسمع أوّلا دعوة الحق ، ثم يجيب ويعترف ، ثم يتأمّل ذلك ويتبصر . قوله : ( كقوله صم إلخ ) وهو من قصيدة لقعنب ابن أمّ صاحب أحد بني عبد اللّه بن عطفان وهو من شعراء الحماسة وأوّلها :ما بال قوم صديق ثمّ ليس لهم * عهد وليس بهم دين إذا ائتمنواشبه العصافير أحلاما ومقدرة * لو يوزنون بزق الريش ما وزنواومنها :إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * مني وما سمعوا من صالح دفنواصمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بشرّ عندهم أذنواجهلا عليها وجبنا عن عدوّهم * لبئست الخلتان الجهل والجبن