. . .
شرح
ظلمات متراكمة فإن لوحظ في كل واحد من الجانبين هيئة وجدانية ملتئمة من تلك المعاني المتعدّدة كان مركبا ، ووجهه ما ذكر ، وإن قصد تشبيه كل واحد من تلك المعاني بما يناظره كان مفرقا لا يحتاج وجهه إلى بيان ، فإن قيل ظلمة النفاق مجامعة للإستضاءة بنور هذه الكلمة لا متعقبة لها ، قيل من إلّا أنها تمخضت بعد الانتفاع فلذلك حكم بتعقبها منضمة إلى ظلمتين أخريين ، والوجه الثاني لا يخالف الأول تركيبا وتفريقا إلّا فيما بإزاء ذهاب اللّه بنور المستوقد فالتورط حينئذ هو الوقوع في حيرة الفضوح والخيبة ، وكذا الثالث إلّا أنّ المشبه هنا بإذهابه هو خذلانهم في نفاقهم فطبع على قلوبهم فوقعوا في حيرة ، وبعد عن نور الإيمان ، وإنما كان أوجه لأنّ ما بده من خواص أهل الطبع ، ومحصول الأوّل أنهم انتفعوا بهذه الكلمة مدة حياتهم القليلة ، ثم قطعه اللّه بالموت فوقعوا في تلك الظلمات ، ومحصول الثاني أنهم استضاؤا بها مدّة ، ثم اطلع اللّه على أسرارهم فوقعوا في ظلمات انكشاف الأسرار والافتضاح والإتسام بسمة النفاق ، ومحصول الثالث أنهم انتفعوا بها فخذلهم اللّه حتى صاروا مطبوعين واقعين في ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض والثلاثة متعلقة بكونه تمثيلا لجميع أحوال المنافقين السابقة ، والوجه الرابع على تقدير تعلقه بقوله اشتروا الضلالة ، وبينه على التفريق وكونه جواب لما ووجه الشبه على التفريق ظاهر وعلى الوجه المختار ، وهو التركيب ما ذكر السكاكيّ كما سمعته آنفا وقول القطب الرازي : في شرحه هنا ، وأمّا وجه التشبيه فهو اسم الإضاءة والظلمة أي كما أنّ في حال المستوقد ما يسمى إضاءة وظلمة كذلك في حال المنافقين ما يسمى إضاءة وظلمة ووقوع الاسم في أحدهما بالحقيقة وفي الآخر بالمجاز غير قادح في اشتراك الاسم . وأعلم أنّ لهذا التشبيه إجمالا وتفصيلا ، والإجمال هو تشبيه الحال بالحال مطلقا ، وهو تشبيه مفرد بمفرد ، وهو المعتبر هنا وإمّا تفصيله فهو تشبيه أحوالهم بأحواله ، وهو إمّا مفرق أو مركب ، وقد قيل عليه إنه لا معنى للتشبيه المركب إلّا أن تنزع كيفية من أمور متعدّدة فتشبه بكيفية أخرى كذلك فيقع في كل من الطرفين عدّة أمور ربما يكون التشبيه فيما بينها ظاهرا لكن لا يلتفت إليه بل إلى الهيئة الحاصلة من المجموع كما في قوله :وكأنّ أجرام النجوم لوامعا * درر نثرن على بساط أزرقويكون التشبيه مركبا ، وأمّا حدث كون وجه الشبه هو اسم الإضاءة والظلمة على الوجه الذي ذكر فلا أزيد فيه على الحكاية لعلماء لبيان ، وهم لا يزيدون على التعجب والسكوت .
أقول : التشبيه إذا ذكر طرفاه بمفردين يدلّ ، كل منهما على أمور متعدّدة كالقصة والحال ولفظ المثل هنا إن نظر إلى ظاهره فهو تشبيه مفرد بمفرد كقولنا الدنيا خيال باطل ، وإن نظر إلى ما اشتملا عليه كان تشبيه مركب بمركب بحسب الظاهر ويجوز أن يعتبر فيه التفريق على اللف والنشر الإجمالي فإن رجح هذا لم يمنع الأوّل ، ولا يخطأ من ذهب إليه ، فإن قصد الفاضل ردّ قوله إنه تشبيه مفرد بمفرد لم يسمع منه ، وإن ذهب الشرّاح إلى خلافه وأمّا ما تعجب منه