تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
لمن آتاه ضربا من الهدى فأضاعه ، ولم يتوصل به إلى نعيم الأبد فبقي متحيرا متحسرا تقريرا ، وتوضيحا لما تضمنته الآية الأولى ، ويدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقون ، فإنهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق بإستبطان الكفر ، وإظهاره حين خلوا إلى شياطينهم
شرح
واستهزأ به فقد يقال إنّ مراده أنّ قوله ذهب اللّه بنورهم إذا كان جواب سؤال مقدّر عن وجه الشبه بأنه الإضاءة والظلم فذلك غير مشترك بين الطرفين هنا لأنّ الحقيقيين يختصان بالمستوقد ، والمجازيين بالمنافقين ، وهذا ما ذكره أهل المعاني كما مرّ من أنهم قد يتسامحون في وجه الشبه كقولهم في الكلام الفصيح هو كالعسل في الحلاوة ، مع أنّ الحلاوة غير مشتركة بينهما والمشترك ميل الطباع فعبر عنه بالحلاوة لإطلاقها على ذلك إطلاقا شائعا ، وتسمحوا فيه لمجرّد الاشتراك في الاسم وإن كان في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجازا ، ومثل الظلمة والنور هنا إذا كانا وجه الشبه وإذا ظهر المراد سقط الإيراد ، واندفع ما قيل عليه من أنه سهو إذ لم يذهب أحد إلى جواز مثل قولك الباصرة كالذهب لإشتراكهما في إطلاق اسم العين عليهما ، ولقد أطلنا الكلام وسحبنا ذيل البيان إثر هؤلاء الأعلام ، لأنه من مزالّ الأقدام . قوله : ( لمن آتاه ضربا من الهدى إلخ ) لما رأى المصنف رحمه اللّه ما في الكشاف يؤل إلى وجه واحد لتقارب ما فسر به النور والظلمات لف النشر ، ولمّ الشعث فجعلها وجها واحدا ؟ وزاد وجها آخر ذكره بعضهم وتبع السكاكيّ في جعل التمثيل مركبا من غير التفات لغيره أصلا على دأبه في التحقيق والتنقيح والإيجاز ، والمعنى أنه تمثيل أستعير فيه النور للهدى والظلمات لإضاعته ، وما يتبع ذلك من مباشرة الأسباب التي خابت فأوقعتهم في تيه الحيرة والحسرة ، فضمير مثلهم لمن في قولهوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ[ سورة البقرة ، الآية : 8 ] إلخ أو للذين اشتروا الضلالة ، والموصول فيهما عامّ لكل من أظهر الإيمان ، وأضاعه بإضمار خلافه أو بعدم الدوام عليه ، ولكل من استبدل هديّ مّا بضلال مّا ، وإن لم يكن كفر لأنه وإن نزل في شأن المنافقين لا ينافيه لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فيعمّ غيرهم نظرا للظاهر ، وهذا هو الوجه الأوّل في كلام المصنف رحمه اللّه ، أو يقال إنه مختص بهم لما في الموصول من العهد تقاضي ما قبله وما بعده له ، وهذا هو الوجه الثاني ، إذا عرفت هذا فقوله ضربا من الهدى مفعول آتاه بمعنى أعطاه أي نوعا منه ، وفيه إيهام حسن وتجنيس ، والمراد به مطلق الهداية الشاملة لإجراء لكلمة والإيمان الظاهر أو الجبلي ، أو الذي تمكنوا منه ، وهذا من الإضاءة ولذا نكر ضربا إشارة إلى تنكير نارا في الآية ، والإمام فأضاعه أي بالنفاق أو الكفر وما يضاهيه وهذا من ذهاب نورهم وتجارتهم الخاسرة ، وقوله ولم يتوصل به من الظلمات المتراكمة التي مرّ تفسيرها ، ومراده بالآية الأولى قولهأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَإلخ أو قوله ومن الناس إلخ على ما بينّاه لك آنفا ، وقد عرفت أن الزمخشريّ جوّز إرجاعه إلى جميع ما قبله من حال المنافقين ، وإفراد الآية لا يأباه والمتبادر من الأولى تقدمها غير ملاصقة ، وقوله حين خلوا إلى شياطينهم مفاد عليه فهو الحق ، وإن خالفوه نعم دخول من صح له الأحوال في الثاني أظهر ، وهو الذي